فإذا سكت . . تكلّموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّم عنده . . أنصتوا له حتّى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوّلهم ، يضحك ممّا يضحكون منه ، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته . . .
شرح
وبالجملة فشبّه حال جلسائه عند تكلّمه بحال من ينزل على رأسهم الطير في السكوت والسكون ؛ مهابة له وإجلالا ، لا لكبر ولا لسوء خلق فيه . حاشاه اللّه من ذلك .
( فإذا سكت تكلّموا ) ، أي : فلا يبتدرونه بالكلام ، ولا يتكلّمون مع كلامه ، بل لا يتكلمون إلّا بعد سكوته . وفي بعض النسخ « فإذا سكت سكتوا » أي :
لاقتدائهم به وتخلّقهم بأخلاقه .
( لا يتنازعون عنده الحديث ) ؛ أي : لا يختصمون عنده في الحديث .
( ومن تكلّم عنده أنصتوا له ) أي : استمعوا لكلام المتكلّم عنده ( حتّى يفرغ ) من كلامه ، فلا يتكلّم عنده اثنان معا ، ولا يقطع بعضهم على بعض كلامه ، لأنّه خلاف الأدب .
( حديثهم عنده حديث أوّلهم ) ؛ أي : لا يتحدّث أوّلا إلّا من جاء أوّلا ، ثم من بعده . . . وهكذا على الترتيب .
( يضحك ممّا يضحكون منه ، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه ) ؛ أي : موافقة لهم وتأنيسا وجبرا لقلوبهم .
( ويصبر للغريب على الجفوة ) - بفتح الجيم - أي : الغلظة وسوء الأدب ( في منطقه ومسألته ) كما كان يصدر من جفاة الأعراب .
فالصبر على أذى النّاس وجفوتهم من أعظم أنواع الصبر ، فقد ورد : « إنّ المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم أفضل ممّن يعتزلهم » .