التّنبيه الثّاني : في الفوائد المقصودة : من جمع شمائله صلّى اللّه عليه وسلّم
ليس المقصود من جمع شمائله صلّى اللّه عليه وسلّم مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه النّفوس ، وتجنح إليه القلوب ، ويتحدّث به في المجالس ، ويستشهد به على المقاصد ، ونحو ذلك من الفوائد .
وإنّما المقصود من جمع شمائله صلّى اللّه عليه وسلّم فوائد أخرى مهمّة في الدّين .
- منها : التّلذّذ بصفاته العليّة وشمائله الرّضيّة صلّى اللّه عليه وسلّم .
( التّنبيه الثّاني : في ) بيان ( الفوائد ) جمع فائدة ؛ وهي - لغة - : ما استفدته من علم ، أو مال ، أو غيرهما ؛ كجاه ، و - اصطلاحا - : المصلحة المترتّبة على الفعل من حيث إنّها ثمرته ونتيجته . وأما من حيث إنّها في طرف الفعل : فتسمّى « غاية » . فالفائدة والغاية متّحدان ذاتا ؛ مختلفان اعتبارا ، كما أن العلّة والغرض كذلك . فالعلّة : هي المصلحة المترتبة على الفعل من حيث إنّها باعثة للفاعل على الفعل ، وأما من حيث إنّها مقصودة للفاعل من الفعل ؛ فتسمى « غرضا » .
والفائدة والغاية أعمّ من العلّة والغرض عموما مطلقا ، فتجتمع الأربعة فيما لو حفر بقصد الماء وبعد تمام الحفر ظهر الماء ، فإنّ هذا الماء يسمّى « فائدة » من حيث إنّه نتيجة الحفر ، ويسمّى « غاية » من حيث إنه في طرف الحفر ، ويسمّى « علّة » من حيث إنّه باعث على الحفر ، ويسمّى « غرضا » من حيث إنّه مقصود من الحفر .
فاختلفت العبارات باختلاف الاعتبارات ، وقد يوجد الأوّلان - أي : الفائدة والغاية - ولا يوجد الأخيران - أي : العلة والغرض - كما لو حفر بقصد الماء فبعد تمام الحفر ظهر كنز ؛ فيقال له « فائدة » ؛ لأنه نتيجة الحفر ، ويقال له « غاية » ؛ لأنه في آخر الحفر ، ولا يقال له علة ؛ ولا غرض ! ! لأنه لم يكن باعثا على الحفر ، ولا مقصودا للحافر من الحفر . واللّه أعلم .
( المقصودة ) للمؤلفين ( من جمع شمائله صلّى اللّه عليه وسلم ) في الكتب .
اعلم أنّه ( ليس المقصود من جمع شمائله ) : أوصافه ( صلّى اللّه عليه وسلم مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه ) الأفئدة ، وترتاح إليه ( النّفوس ) ، وتسرّ به الأرواح ، وتنشرح له الصدور ، ( وتجنح إليه القلوب ) ، وتلتذّ به الأسماع ، وتتنزّه فيه الأبصار ، ( ويتحدّث ) - بضمّ أوّله - ( به ) أي : يذكر ويروى ( في المجالس ) للاطلاع على سيرة من تقدّم ، وللإحاطة بأخبار من سبق ، ( ويستشهد ) - مبنيا للمجهول - أي :
يؤتى ( به ) شاهدا ( على المقاصد ) والأغراض التي تراد ، ( ونحو ذلك من الفوائد ) التاريخية . لا ؛ ليس المقصود ذلك .
( وإنّما المقصود من جمع شمائله صلّى اللّه عليه وسلم ) في الكتب ( فوائد ) - أي : حصول فوائد ( أخرى ) - زائدة على ما تقدّم ( مهمّة ) - أي : يهتم بها - ( في الدّين ) ويتقرّب بها إلى ربّ العالمين . ( منها ) أي : هذه الفوائد الأخرى : ( التّلذّذ ) - أي : حصول اللذّة - ( بصفاته العليّة ) الكاملة ، ( وشمائله الرّضيّة ) ، لأنّ في ذكرها وسماعها تنعّما وتلذّذا بحبيب القلوب وقرّة العيون ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ،