جانبك زواريق السّبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس وشرذمة من فتيان العرب فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا لابسة حريرين صفيقين « 1 » تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها وتسمع صرخة روميّة من وراء ستر رقيق فاعلم انّها تقول : واهتك ستراه .
( 1 ) فيقول بعض المبتاعين : عليّ ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة ، فتقول له بالعربية : لو برزت في زيّ سليمان بن داود وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فاشفق على مالك ، فيقول النّخاس : فما الحيلة ولا بدّ من بيعك ، فتقول الجارية : وما العجلة ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى وفائه وأمانته .
( 2 ) فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له : انّ معك كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة روميّة وخطّ روميّ ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه فان مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك .
( 3 ) قال بشر بن سليمان : فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية ، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا وقالت لعمر بن يزيد : بعني من صاحب هذا الكتاب وحلفت بالمحرّجة والمغلّظة « 2 » انّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها ، فما زلت اشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السّلام من الدّنانير فاستوفاه وتسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد ، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا عليه السّلام من جيبها وهي تلثمه وتطبّقه على جفنها وتضعه على خدّها وتمسحه على بدنها .
هامش
( 1 ) الصفيق من الثوب : ما كثف نسجه .
( 2 ) المغلّظة : المؤكدة من اليمين ، والمحرّجة : اليمين التي تضيق مجال الحالف بحيث لا يبقى له مندوحة عن برّ قسمه .