( 1 ) ولا بد له من الحذر أيضا حتى لا يدخل في زمرة الذين لزموا مقدمات الوعظ لا حقيقته ، والذين حفظوا الخطب البليغة لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وبعض النصائح الشافية الوافية له وذكرها على المنبر ، وتحذير الناس عن الانهماك في الدنيا والغوص في مهالكها وتخويفهم عن حبّها وبيان مفاسدها والترغيب في الزهد فيها وعدم الاعتناء بزخارفها وزبارجها ، استشهادا بأحوال الأئمة والخواص من أصحابهم والعلماء الراشدين ، وقد يذكر أحوال النفس وصفاتها الحسنة كالخوف والرجاء والتوكّل والرضا ، أو صفاتها الرذيلة والقبيحة ، نقلا عن كتب الاخلاق أو كتاب الغزالي وغيره ثم ايرادها بتمام الفصاحة والبلاغة دون توقّف في الكلام أو لكنة في اللسان مع الاستشهاد بالاخبار والآيات الكثيرة المنظمة على السجع والقافية ، لكن هذا المسكين يزعم اتصاف نفسه بهذه الاخلاق والصفات بمجرد حسن قراءته لها ، بل لم يرتق هذا المسكين سلم الكمال وحاله كحال العوام من الناس أو دون ذلك ، بانغماره في حبّ الدنيا وتعلّقه بجيفتها ونتنها وزخرفها ، فلو غفل صاحب المجلس أحيانا عن احترامه واكرامه ولم يوقره كما يحب ويتوقّع ولم يجلسه في صدر المجلس ، لتغير حاله وبدأ بالعتاب والاعتراض وهو يزعم مع هذا كله انه من أولياء اللّه وأهل الآخرة وداخل في زمرة خدّام سيد الشهداء روحي فداه ويزعم أيضا انّه عار من جميع الرذائل والخبائث بمجرد بعض محفوظاته المنبرية ، وجميع الرذائل والخبائث في العوام من الناس والمستمعين لمجلسه .
( 2 ) ولا يخفى على الخبير البصير والعالم بعيوب النفس انّ حال هذا الشخص كحال المصباح الذي يحترق فيضيء للآخرين وهو في زمرة الغاوين كما في قوله تعالى :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ
« 1 » .
وقوله تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ . . .
« 2 » .
هامش
( 1 ) الشعراء ، الآية 94
( 2 ) الزمر ، الآية 56