واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها وخرج أبو ذر فقال :
انصرفوا فانّ ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد أخّر اخراجها في هذه العشيّة ، فقام الناس وانصرفوا .
( 1 ) فلما أن هدأت العيون ومضى من الليل ، أخرجها عليّ والحسن والحسين عليهما السّلام وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ، ونفر من بني هاشم وخواصه ، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوّى على حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها وقيل أربعين قبرا كما في رواية « 1 » .
( 2 ) وقيل : قبرها سوي مع الأرض مستويا فمسحها مسحا سواء مع الأرض حتى لا يعرف أحد موضعه « 2 » .
وذلك لإخفاء قبرها وأن لا يصلّي عليه أحد أو يهمّ بنبشه ولذا وقع الخلاف في موضع
هامش
( 1 ) قال أبو جعفر الطبري الامامي في الدلائل : . . . وقد كمل عمرها يوم قبضت ثماني عشرة سنة وخمسة وثمانين يوما بعد وفاة أبيها ، فغسلها أمير المؤمنين عليه السّلام ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم . . . أخرجها إلى البقيع ليلا ومعه الحسنان وصلّى عليها ولم يعلم بها ولا حضر وفاتها ولا صلّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم ، ودفنها في الروضة وعفى موضع قبرها وأصبح البقيع ليلة مدفنها فيه أربعون قبرا جديدا ، ولما علم المسلمون بوفاتها جاءوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعون قبرا ، فأشكل عليهم قبرا من سائر القبور ، فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا : لم يخلف فيكم نبيكم الّا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها ولا دفنها ولا الصلاة عليها بل ولم تعرفوا قبرها .
فقال ولاة الامر منهم : هاتوا من نساء المسلمين من ينبشن هذه القبور حتى نجدها فنصلّي عليها ونعيّن قبرها ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام فخرج مغضبا قد احمرت عيناه ودرّت أوداجه وعليه القباء الأصفر الذي كان يلبسه في الكريهة وهو يتوكّأ على سيفه ذو الفقار حتى اتى البقيع ، فسار إلى الناس من انذرهم وقال : هذا عليّ قد أقبل كما ترونه وهو يقسم باللّه لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف في رقاب الامرين .
فتلقّاه عمر ومن معه من أصحابه وقال له : ما لك يا أبا الحسن واللّه لننبش قبرها ونصلّي عليها ، فأخذ عليّ بجوامع ثوبه ثم ضرب به الأرض وقال : يا بن السوداء امّا حقّي فقد تركته مخافة ارتداد الناس عن دينهم ، واما قبر فاطمة فوالذي نفس عليّ بيده لئن رمت أنت أو أصحابك شيئا لأسقينّ الأرض من دمائكم فان شئت فافعل يا ثاني ، وجاء أبو بكر وقال له : يا أبا الحسن بحق رسول اللّه وبحق فاطمة الّا خلّيت عنه ، فانّا لسنا فاعلين شيئا تكرهه ، فخلّى عنه وتفرّق الناس ولم يعودوا إلى ذلك .
( 2 ) روضة الواعظين ، ج 1 ، ص 151