فأشخص إليه أرطاة فلم يشك أنه قاتله ، فلمّا مثل بين يديه قال له : ما أنت وذكري في شعرك ؟
قال : وأين ذكرتك يا أمير المؤمنين ؟
قال : ألست القائل هذه الأبيات ؟ فأنشده إياها .
قال : نعم أنا قائلها ولم أعنك ، وإنما عنيت نفسي وأنا أبو الوليد .
وكذلك كان يكنى ، فسأل عن ذلك عبد الملك فوجده كما قال ، فأفلت منه وخلى سبيله وانصرف إلى بلدة ، فلمّا قرب منه قال :
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف « 1 » * فبشر رجالا يكرهون إيابي
وخبّرهم أن قد رجعت بغبطة * أحدّ أظفاري وأصرف نابي
وإني ابن حرب لا تزال تهرني * كلاب عدو أو تهر كلابي « 2 » .
وكفى بهذا ردعا للناس وتخويفا لهم ونهيبا فيهم ، لا سيّما الشعراء الذين لا يرجعون عن القول فيمن صغر وكبر وجلّ وقلّ ، وفي مثل هذا من القول الذي لا شك فيه ولا بد منه : أن الموت حتم لا حائل دونه وسبيل لا معدل عنه ، وبمثل هذه الغلظة والخيفة قطع عبد الملك ذكر فضائل علي عليه السّلام وأخذ على أيدي المحدثين : أن لا يذكروا شيئا منها ولا يظهروا كتابا فيها ، وأمر من استعماله منهم بدنياه وأناله منها وأرضاه ، أن وضع له أخبارا في فضائل بني أمية لعنة اللّه عليهم وأظهر لعن علي عليه السّلام على المنابر ، وتتبع من ينتحل فضله ويقول بإمامته بالقتل والتشريد .
ومن تعارفه في التهيّب عند الناس وتخوفهم نفسه ، أنه خطب فيما روي عنه فقال : إني واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف ، ولا بالخليفة المداهن ، ولا بالخليفة
هامش
( 1 ) - لفلف : بلد قبل برد من حرة ليلى . معجم ما استعجم : 4 / 1159 .
( 2 ) - العمر والشيب لابن أبي الدنيا : 64 ، الأغاني : 13 / 37 ، تاريخ دمشق : 8 / 4 - 6 ، البداية والنهاية : 9 / 84 .