أبي قبيس فرمت بصاعقة فأحرقت المنجنيق ومن عليها .
قال الليث : فحدّثت هذا الحديث بالبصرة قوما وفيهم رجل من أهل واسط ، فقال :
إني سمعت أبي يحدّث بهذا الحديث ، وأن الحجاج لمّا رأى ذلك ذعر منه وأمسك عن القتال ، وكتب إلى عبد الملك بالخبر .
فكتب إليه عبد الملك : أن بني إسرائيل كانوا إذا قرّبوا قربانا فتقبله اللّه منهم بعث نارا من السماء فأكلته ، وأن اللّه عزّ وجلّ قد رضى عملك وتقبّل قربانك فجد في أمرك « 1 » .
فهذا العتق والعنود على اللّه والتمادي على ما أسخطه بعده تخويفه ، نعوذ باللّه من الإصرار على معاصيه .
وكان الحجاج جلدة ما بين عيني عبد الملك وأحب الناس إليه « 2 » ، والحجاج عدو اللّه من الظلم والغش والجور والفسق ، في غاية لا يدفع ذلك عنه دافع ، ولا يريه منه ولي له ولا مكابر ، وهو على ذلك أقرب الناس من عبد الملك وأخصّهم به وأحضاهم لديه ، فلو لم يكن لعبد الملك خطيئة إلّا الحجاج وتوليته إياه رقاب المسلمين بالحرمين والعراقين ، يسومهم الخسف ، ويسير فيهم بالعنف ، ويحكم فيهم بخلاف كتاب اللّه وسنة رسوله ، يعاقب الولي بالولي والسمي بالسمي ، ويسفك الدم الحرام ، ويرتكب الكبائر والآثام ، وهو في ذلك يؤيده ويقوّي أمره ، ويرتضي عمله ، ويشكر فعله ، ويحتج بالباطل له ، وينال ممّن اشتكى ويعاقب من تظلم منه [ لكفاه ] .
وضيّع عبد الملك بن مروان جهاد المشركين وأقبل على استهلاك المسلمين ،
هامش
( 1 ) - كتاب العين : 3 / 183 ( في الهامش ) ، لسان العرب : 3 / 389 .
( 2 ) - هذا ما ثبت عن عبد الملك أنه قال : ان الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفي .
وزاد ابنه الوليد بن عبد الملك : ألا واني أقول إن الحجاج جلدة وجهي كله . انظر : البيان والتبيان : 1 / 292 ، شرح نهج البلاغة : 5 / 37 .