الحِكمَةَ مِن أفواهِكُم وَيَبقى الغِلُّ في صُدورِكُم .
يا عَبيدَ الدُّنيا ، إنَّما مَثَلُكُم مَثَلُ السِّراجِ ، يُضي ءُ لِلنّاسِ وَيُحرِقُ نَفسَهُ ، يا بَني إسرائيلَ زاحِموا العُلماءَ في مَجالِسِهِم ، وَلَو جَثواً عَلَى الرُّكَبِ « 1 » ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحيي القُلوبَ المَيِّتَةَ بِنورِ الحِكمَةِ كَما يُحيي الأَرضَ المَيِّتَةَ بِوابِلِ المَطَرِ « 2 » .
يا هِشامُ ؛ مَكتوبٌ فِي الإِنجيلِ : طوبى لِلمُتَراحِمينَ ، اولئِكَ هُمُ المَرحومونَ يَومَ القِيامَةِ ، طوبى للمُصلِحينَ بَينَ النّاسِ ، اولئِكَ هُمُ المُقَرَّبونَ يَومَ القِيامَةِ . طوبى لِلمُطَهَّرَةِ قُلوبُهُم اولئِكَ هُمُ المُتَّقونَ يَومَ القِيامَةِ . طوبى لِلمُتَواضِعينَ فِي الدُّنيا ، اولئِكَ يَرتَقون مَنابِرَ المُلكِ يَومَ القِيامَةِ .
يا هِشامُ ؛ قِلَّةُ المَنطِقِ حُكمٌ عَظيمٌ ، فَعَلَيكُم بِالصَّمتِ ، فَإِنَّهُ دَعَةٌ حَسَنَةٌ ، وَقِلَّةُ وِزر وَخِفَّةٌ مِنَ الذُّنوبِ ، فَحَصِّنوا بابَ الحِلمِ فَإِنَّ بابَهُ الصَّبرُ وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يُبغِضُ الضَّحّاكَ مِن غَيرِ عَجَبٍ وَالمَشّاءَ « 3 » إلى غَيرِ أرَبٍ « 4 » وَيَجِبُ عَلَى الوالي أن يَكونَ كَالرّاعي ، لا يَغفُلُ عَن رَعِيَّتِهِ وَلا يَتَكَبَّرُ عَلَيهِم فَاستَحيوا مِنَ اللَّهِ في سَرائِرِكُم كَما تَستَحيونَ مِنَ النّاسِ في عَلانِيَتِكُم ، وَاعلَموا أنَّ الكَلِمَةَ مِنَ الحِكمَةِ ضَالَّةُ المُؤمِنِ فَعَلَيكُم بِالعِلمِ قَبلَ أن يُرفَعَ ، وَرَفعُهُ غَيبَةُ عالِمِكُم بَينَ أظهُرِكُم .
يا هِشامُ ؛ تَعَلَّم مِنَ العِلمِ ما جَهِلتَ ، وَعَلِّمِ الجاهِلَ مِمّا عَلِمتَ ، عَظِّمِ العالِمَ لِعِلمِهِ ، وَدَع مُنازَعَتَهُ ، وَصَغِّرِ الجاهِلَ لِجَهلِهِ وَلا تَطرُدهُ ، وَلكِن قَرِّبهُ وَعَلِّمهُ .
يا هِشامُ ، إنَّ كُلَّ نِعمَةٍ عَجَزتَ عَن شُكرِها بِمَنزِلَةِ سَيِّئَةٍ تُؤاخَذُ بِها . وَقالَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : إنّ للَّهِ عِباداً كَسَرَت قُلوبَهُم خَشيَتُهُ فَأَسكَتَتهُم عَنِ المَنطِقِ ، وَإنَّهُم لفُصَحاءُ عُقَلاءُ ، يَستَبِقونَ إلَى اللَّهِ بِالأَعمالِ الزَّكِيَّةِ ، لا يَستَكثِرونَ لَهُ الكَثيرَ وَلا يَرضَونَ لَهُم مِن أنفُسهِم بِالقَليلِ ، يَرَونَ في أنفُسِهِم
هامش
( 1 ) . جثا يجثو . وجثى يجثى : جلس على ركبتيه أو قام على أطراف الأصابع . وفي بعض النّسخ : « حبواً » أي زحفاً على الرّكب من حبا يحبو وحبى يحبى : إذا مشى على أربع .
( 2 ) . الوابل : المطر الشّديد الضّخم القطر .
( 3 ) . المشّاء : الكثير المشي .
( 4 ) . الأرب - بفتحتين - : الحاجة .