لِعَلانِيَّتِهِ مُوافقاً ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَم يَدُلَّ عَلَى الباطِنِ الخَفِيِّ مِنَ العَقلِ إلّابِظاهِرٍ مِنهُ وَناطِقٍ عَنهُ .
يا هِشامُ ، كانَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام يَقولُ : ما مِن شَيءٍ عُبِد اللَّهُ بِهِ « 1 » أفضَلُ مِنَ العَقلِ ، وَماتَمَّ عَقلُ امرِىً حَتّى يَكونَ فيهِ خِصالٌ شَتّى ، الكُفرُ وَالشَّرُّ مِنهُ مَأمونانِ « 2 » ، وَالرُّشدُ وَالخَيرُ مِنهُ مَأمولانِ « 3 » وَفَضلُ مالِهِ مَبذولٌ وَفَضلُ قَولِهِ مَكفوفٌ ، نَصيبُهُ مِنَ الدُّنيا القوتُ وَلا يَشبَعُ مِنَ العِلمِ دَهرَهُ ، الذُّلُّ أحَبُّ إلَيهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ العِزِّ مَعَ غَيرِهِ ، وَالتَّواضُعُ أحَبُّ إلَيهِ مِنَ الشَّرَفِ ، يَستَكثِرُ قَليلَ المَعروفِ مِن غَيرِهِ ، وَيَستَقِلُّ كَثيرَ المَعروفِ مِن نَفسِهِ ، وَيَرَى النّاسَ كُلَّهُم خَيراً مِنهُ ، وَأنَّهُ شَرُّهُم في نَفسِهِ ، وَهُوَ تَمامُ الأَمرِ . « 4 »
يا هِشامُ ؛ مَن صَدَق لِسانُهُ زَكا عَمَلُهُ ، وَمَن حَسُنَت نِيَّتُهُ زيدَ في رِزِقِهِ ، وَمَن حَسُنَ بِرُّهُ بِإِخوانِهِ وَأهلِهِ مُدَّ في عُمُرِهِ .
يا هِشامُ ؛ لا تَمنَحوا الجُهّالَ الحِكمَةَ فَتَظلِموها « 5 » ، وَلا تَمنَعوها أهلَها فَتَظلِموهُم .
يا هِشامُ ؛ كَما تَرَكوا لَكُم الحِكمَةَ ، فَاترُكوا لَهُمُ الدُّنيا . « 6 »
يا هِشامُ ؛ لا دينَ لِمَن لا مُرُوَّةَ لَهُ ، وَلا مُرُوَّةَ لِمَن لا عَقلَ لَهُ ، وَإِنَّ أعظَمَ النّاسِ قَدراً الَّذي لا يَرَى الدُّنيا لِنَفسِهِ خَطراً « 7 » ، أما إنَّ أبدانَكُم لَيسَ لَها ثَمَنٌ إلّاالجَنَّةَ ، فَلا تَبيعوها بِغَيرِها . « 8 »
هامش
( 1 ) . في الكافي : « ما عبد اللَّه بشيء » .
( 2 ) . الكفر في الاعتقاد والشّرّ في القول والعمل والكلّ ينشأ من الجهل . وفي بعض النّسخ : « مأمون » .
( 3 ) . الرّشد في الاعتقاد والخير في القول والكلّ ناش من العقل . وفي بعض النّسخ : « مأمول » .
( 4 ) . أي ملاك الأمر وتمامه في أن يكون الإنسان كاملًا تامّ العقل هو كونه متصفاً بمجموعة هذه الخصال . ( وافي ) .
( 5 ) . لا تمنحوا الجهّال : أي لا تعطوهم ولا تعلموهم . والمنحة : العطاء .
( 6 ) . في الكافي هاهنا : « يا هشام إنّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه » .
( 7 ) . أي قدراً ورفعة . والخطر : الحظّ والنّصيب والقدر والمنزلة .
( 8 ) . هاهنا كلام نقله صاحب الوافي عن استاده رحمهما الله قال : وذلك لأنّ الأبدان في التّناقص يوماً فيوماً لتوجّه النّفس منها إلى عالم آخر ، فإن كانت النّفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدّنيا وانقطاع حياته البدنيّة إلى اللَّه سبحانه وإلى نعيم الجنّة ، لكونه على منهج الهداية والاستقامة ، فكأنّه باع بدنه بثمن الجنّة معاملة مع اللَّه تعالى ولهذا خلقه اللَّه عز وجل ، وإن كانت شقيّة كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشّيطان وعذاب النّيران لكونه على طريق الضّلالة ، فكأنّه باع بدنه بثمن الشّهوات الفانية واللذّات الحيوانيّة الّتي ستصير نيرانات محرقة مؤلمة ، وهي اليوم كامنة مستورة عن حواسّ أهل الدُّنيا وستبرز يوم القيامة : «
وَبُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى »
، معاملة مع الشّيطان وخسر هنالك المبطلون .