إنّ اللَّه جلَّ وعزَّ عيَّرَ أقواماً في القرآنِ بالإذاعَةِ ،
فَقُلتُ لَه : جُعلِتُ فداكَ أينَ قالَ ؟ قال :
قولُهُ : « وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ » « 1 »
ثمّ قال :
المُذيعُ عَلَينا سِرَّنا كالشّاهِرِ بِسَيفِهِ عَلَينا ، رَحِمَ اللَّهُ عَبداً سَمِعَ بِمَكنونِ عِلمِنا فَدَفَنَهُ تَحتَ قَدَميهِ .
وَاللَّهِ ، إنّي لَأعلَمُ بِشِرارِكُم مِنَ البَيطارِ بِالدَّوابِّ ، شِرارُكم الّذينَ لا يَقرؤونَ القُرآنَ إلّاهُجراً وَلا يأتون الصّلاةَ إلّادُبراً « 2 » وَلا يَحفَظونَ ألسِنَتَهُم .
اعلَم أنَّ الحسَنَ بنَ عَليٍّ عليهما السلام لَمّا طُعِنَ وَاختَلَفَ النّاسُ عَلَيهِ ، سَلَّمَ الأمرَ لِمُعاوِيَةَ فَسَلَّمَت عَلَيهِ الشّيعَةُ : عَليكَ السَّلامُ يا مُذِلَّ المُؤمِنينَ .
فقالَ عليه السلام : ما أنا بِمُذلِّ المُؤمِنينَ ، وَلكنّي مُعِزُّ المُؤمِنينَ . إنّي لَمّا رَأيتُكُم لَيسَ بِكُم عَلَيهِم قُوَّةٌ سَلَّمتُ الأمرَ لِأبقى أنا وَأنتُم بَينَ أظهُرِهِم ، كما عابَ العالِمُ السَّفينَةَ لِتَبقى لأصحابِها ، وَكذلِكَ نَفسي وَأنتُم لِنَبقى بَينَهُم .
يا ابنَ النُّعمان ، إنّي لَأُحدِّثُ الرَّجُلَ مِنكُم بِحَديثٍ فَيَتَحدَّثُ بهِ عَنّي ، فَأستَحِلُّ بِذلِكَ لَعنَتَهُ وَالبَراءَ ةَ مِنهُ . فإنَّ أبي كانَ يَقولُ : وَأيُّ شَيءٍ أقرُّ لِلعَينِ مِنَ التَّقِيَّةِ ، إنَّ التَّقِيَّةَ جُنَّةُ المُؤمِنِ ، وَلَولا التَّقِيَّةَ ما عُبِدَ اللَّهُ ، وَقالَ اللَّهُ عز وجل : « لَّايَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً » « 3 » .
يا ابنَ النُّعمانِ ، إيّاكَ وَالمِراءَ ، فَإنّهُ يُحبِطُ عَمَلَكَ .
وَإيّاكَ وَالجِدالَ ، فإنَّهُ يُوبِقُكَ .
وإيّاكَ وَكَثرَةَ الخُصوماتِ ، فإنَّها تُبعِدُكَ مِنَ اللَّهِ .
ثُمَّ قالَ :
إنَّ من كانَ قَبَلَكُم كانوا يَتَعلّمونَ الصّمتَ ، وَأنتُم تَتَعلّمونَ الكلامَ ، كان أحَدُهُم إذا أرادَ
هامش
( 1 ) . النساء : 83 .
( 2 ) . الهجر - بالضم - : الهذيان والقبيح من الكلام . والدّبر - بضم فسكون أو بضمتين - من كلّ شيء : مؤخّره وعقبه .
( 3 ) . آل عمران : 28 .