140 كتابه عليه السلام إلى الإمام الحسن عليه السلام
ذكر محمَّد بن يعقوب الكليني في كتاب ( الرَّسائل ) بإسناده إلى أبي جعفر بن عَنْبَسة ، عن عبَّاد بن زياد الأسدي ، عن عَمْرو بن أبي المِقْدَام ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : لمَّا أقبَل أمير المؤمنين عليه السلام من صفِّين كتب إلى ابنه الحسن عليه السلام :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
منَ الوالِد الْفَانِ ، المُقِرِّ للزَّمانِ ، المُدْبِر العُمْرِ ، المُسْتَسْلِمِ لِلدَّهر ، الذَّامِ لِلدُّنيا ، السَّاكِنِ مسَاكِنَ المَوْتى ، والظَّاعِن عنْها غَداً ، إلى المولود المُؤَمِّل ما لا يُدْرَكُ ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَن قدْ هَلَكَ ، غَرَضِ الأسْقامِ ، ورَهِينَةِ الأيَّامِ ، ورَمِيَّةِ المَصائِبِ ، وعَبْدِ الدُّنيا ، وتاجِرِ الغُرُور ، وغَرِيم المَنايَا ، وأسيرِ المَوْتِ ، وحَلِيفِ الهُمُوم ، وقَرِين الأحْزان ، ونُصُبِ الآفاتِ ، وصَريعِ الشَّهواتِ ، وخَلِيفَةِ الأمْواتِ .
أمَّا بعدُ ، فإنَّ فِيما تَبَيَّنْتُ من إدْبارِ الدُّنيا عَنِّي ، وجُمُوحِ الدَّهْرِ علَيَّ ، وإقبالِ الآخِرَةِ إليَّ ، ما يَزَعُنِي « 1 » عن ذِكْر مَن سِوايَ ، والإهْتِمام بما ورائيَ ، غيرَ أنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بي دُونَ هُموم النَّاس هَمُّ نفْسِي ، فَصَدفَنِي رأيي ، وصَرَفَني عن هوايَ ، وصَرَّحَ لي مَحْضُ أمْري ، فأفْضَى بي إلى جدٍّ لا يَكون فيه لَعِبٌ ، وصِدْقٍ لا يَشُوبُه كَذِبٌ ، ووَجَدْتُك بَعضِي ، بل وَجَدْتُك كُلِّي حَتَّى كأنَّ شَيْئاً لو أصابَك أصابَني ، وكأنَّ الموت لوْ أتاك أتانِي ، فَعَنانِي من أمرك ما يَعْنِينِي من أمْر نَفسِي ، فَكَتَبْتُ إليك ، مُسْتَظِهراً « 2 » به إنْ أنَا بقيِتُ لكَ أو فَنيتُ .
هامش
( 1 ) وزعتُهُ أزَعُه وَزْعاً : كفَفْتُهُ ، فاتَّزع هو ، أي كفَّ ( الصحاح : ج 3 ص 1297 ) .
( 2 ) استظهر به ، أي استعان ( لسان العرب : ج 4 ص 525 ) .