وأمَرَتْكَ فأطَعْتَها . فاقْعَس عَن هذا الأمرِ ، وخُذْ أُهبةَ الحِسابِ ؛ فإنَّهُ يُوشَكُ أن يَقِفَكَ واقِفٌ علَى ما لا يُجِنَّك مِنهُ مِجَنٌّ .
ومَتى كُنتُمْ يا مُعاوِيَةُ ، ساسَةً للرَعِيَّةِ ، أو وُلاةً لأمْرِ هذهِ الأمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ حَسَنٍ ، ولا شَرَفٍ سابِقٍ علَى قَوْمِكُم . فشمِّر لِما قَدْ نَزَلَ بِكَ ، ولا تُمَكِّنِ الشَّيطانَ مِن بُغْيَتِهِ فِيكَ ، مَعَ أنِّي أعرِفُ أنَّ اللَّهَ ورسُولَهُ صادِقان .
فَنَعوذُ باللَّهِ مِن لُزُومِ سابِقِ الشَّقاءِ ، وإلَّا تَفعَلْ أُعلِمْكَ ما أغفَلَكَ مِن نَفْسِكَ ، فَإنَّكَ مُترَفٌ قَد أخَذَ مِنكَ الشَّيطانُ مَأْخَذَهُ ، فَجَرى مِنكَ مَجرى الدَّمِ في العُروقِ .
واعلَم أنَّ هذا الأمرَ لَو كانَ إلى النَّاسِ أو بأيديهِم لَحَسَدُونا ، وامتَنُّوا بهِ علَيْنا ، ولَكِنَّهُ قَضاءٌ مِمَّن امتَنَّ بهِ علَينا علَى لِسانِ نَبيِّهِ الصَّادِقِ المُصَدَّقِ . لا أفلَحَ مَنْ شَكَّ بَعدَ العِرفانِ والبَيِّنَةِ .
اللّهُمَّ احكُمْ بَيننا وبَيْنَ عَدُوِّنا بالحَقِّ ، وأنتَ خَيرُ الحاكِمينَ » .
فكتب معاوية :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من معاوية بن أبي سُفْيَان إلى عليّ بن أبي طالب : أمَّا بعد ، فدع الحسد ، فإنَّك طالماً لم تنتفِعْ به ، ولا تُفسِد سابقةَ قِدَمك بشَرَهِ نَخوَتِكَ ، فإنَّ الأعمال بخواتيمها ، ولا تمحقْ سابقتك في حقِّ من لا حقَّ لك في حقّه ، فإنَّك إن تفعل لا تضرُّ بذلك إلّا نفسَكَ ، ولا تمحقُ إلَّا عملَكَ ، ولا تُبطِلُ إلَّا حجَّتكَ . ولعَمري ، ما مضى لك من السَّابقات لشبيهٌ أن يكون ممحوقاً ؛ لِما اجترأت عليه من سفْك الدِّماء ، وخلاف أهلِ الحقِّ . فاقرأ سورة الفلق ، وتعوَّذْ باللَّهِ من شرِّ نفسك ، فإنَّك الحاسد إذا حسد . « 1 »
هامش
( 1 ) . وقعة صفِّين : ص 108 - 110 وراجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 15 ص 86 و 87 ، تاريخ مدينة دمشق : ج 59 ص 132 و 133 .