وأخبرني أنَّه يَعصِمُني مِنَ النَّاسِ ، فأمَرَني أنْ أُجاهِدَ ولَو بِنَفسي ، فقال : « فَقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَاتُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ » « 1 » وقال : « حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ » « 2 » ، وقَد مَكَثْتُ بِمَكَّةَ ما مَكَثْتُ لم أُؤمَر بقتالٍ ، ثُمَّ أَمَرني بالقِتالِ ، لِأنَّهُ لا يُعرَفُ الدِّين إلَّا بي ، ولا الشَّرايِعُ ، ولا السُّنَنُ والأحكام والحدود والحلال والحرام ، وإنَّ النّاسَ يَدَعُونَ بَعدِي ما أمرَهُم اللَّهُ بهِ ، وما أمَرَهُم فِيكَ مِن وِلايَتِكَ ، وما أظهَرتُ مِن مَحَبَّتِكَ متعمِّدين غَيرَ جاهِلينَ ، مُخالَفَةً لِما أنزَلَ اللَّهُ فِيكَ ، فإن وَجدتَ أعواناً علَيهِم فَجاهِدهُم ، فإن لم تجدْ أعواناً فاكفُفْ يَدَكَ ، واحقِنْ دَمَكَ ، فإنَّك إن نابَذتَهم قَتلُوكَ ، وإن تابَعُوكَ وأطاعُوكَ فاحمِلْهُم على الحَقِّ ، وإلّا فادعُ النَّاسَ ، فإن استجابُوا لَكَ ووازَرُوكَ فَنابِذْهُم وجاهِدْهُم ، وإنْ لَم تَجِدْ أعواناً فاكفُفْ يَدَكَ واحقِنْ دَمَكَ .
واعلَم أنَّكَ إنْ دَعَوْتَهم لم يَستَجِيبُوا لَكَ ، فَلا تَدَعَنَّ عَن أنْ تَجعَلَ الحُجَّةَ علَيهِم ، إنَّكَ يا أخي لَستَ مثلي ، إنِّي قد أَقمْتُ حُجَّتَكَ ، وأظهرتُ لَهُم ما أنزَلَ اللَّهُ فِيكَ ، وإنَّهُ لم يُعلَم أنِّي رَسولُ اللَّهِ ، وأنَّ حَقِّي وطاعَتي واجِبانِ حَتَّى أظهرتُ ذلِكَ ، وأمّا أنتَ فإنِّي كُنتُ قَد أظهَرتُ حُجَّتَكَ ، وقُمتُ بأمْرِكَ ، فإن سَكتَّ عنهم لم تأثَمْ غير أنَّه أحبُّ أن تَدعُوهُم ، وإنْ لَم يستجيبوا لَكَ ، ولَم يقبَلُوا مِنكَ ، وتَظاهَرَتْ علَيكَ ظَلَمَةُ قُريشٍ فَدَعْهُم ، فإنِّي أخافُ علَيكَ إن ناهَضتَ القومَ ، ونابَذْتَهم ، وجاهَدتهم ، مِن غَيرِ أنْ يَكُونَ مَعَكَ فِئَةٌ تَقْوى بِهِم أنْ يَقْتُلُوكَ ، والتَّقِيَّةُ مِن دينِ اللَّهِ ، ولا دِينَ لِمَن لا تَقِيَّةَ لَهُ .
وإنَّ اللَّهَ قَضَى الاختِلافَ ، والفُرقَةَ على هذهِ الأُمَّةِ ، ولَو شاءَ لَجَمَعَهُم علَى الهُدى ، ولَم يَختَلِفْ إثنانِ مِنها ، ولا مِن خَلقِهِ ، ولَم يَتَنازَعْ في شَيءٍ مِن أمرِهِ ، ولَمْ
هامش
( 1 ) النساء : 84 .
( 2 ) الأنفال : 65 .