مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ ، والْمَتْجَرِ الرَّابِحِ ، أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنيا فِي دُنْيَاهُمْ ، وتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّه غَداً فِي آخِرَتِهِمْ ، لا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ ولا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِن لَذَّةٍ .
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّه الْمَوْتَ وقُرْبَهُ ، وأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ ، فإنَّه يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وخَطْبٍ جَلِيلٍ ، بِخَيْرٍ لا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً ، أَوْ شَرٍّ لا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً ، فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِن عَامِلِهَا ، ومَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ من عَامِلِهَا ، وأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ ، وإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وهُوَ أَلْزَمُ لَكُم من ظِلِّكُمْ ، الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ ، والدُّنيا تُطْوَى مِن خَلْفِكُمْ .
فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وحَرُّهَا شَدِيدٌ ، وعَذَابُهَا جَدِيدٌ ، دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ ، ولا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ ، ولا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ ، وإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللَّه ، وأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ، فإنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِن رَبِّهِ ، وإِنَّ أَحْسَنَ النَّاس ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ .
واعْلَمْ يَا محمَّدُ بنَ أَبِي بَكْرٍ ، أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُك أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِك ، وأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِك ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَك إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهر . ولا تُسْخِطِ اللَّه بِرِضَا أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ ، فإنَّ فِي اللَّه خَلَفاً مِن غَيْرِهِ ، ولَيْسَ مِنَ اللَّه خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ .
صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا ، ولا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ ، ولا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاشْتِغَالٍ ، واعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عَمَلِك تَبَعٌ لِصَلاتِك .
ومنه : فَإِنَّهُ لا سَوَاءٌ إِمَامُ الْهُدَى وإِمَامُ الرَّدَى ، ووَلِيُّ النَّبِيِّ وعَدُوُّ النَّبِيِّ ، ولَقَدْ قَال لِي رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله : إِنِّي لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً ولا مُشْرِكاً ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللَّه بِإِيمَانِهِ ، وأَمَّا الْمُشْرِك فَيَقْمَعُهُ اللَّه بِشِرْكِهِ ، ولَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ
مكاتيب الأئمة ( ع ) — صفحة 260
مساهمون: علي الأحمدي الميانجي
ص٢٦٠