رءوفٌ رحيمٌ « 1 » .
ولمَّا ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين عليه السلام ، جاء صَعْصَعَة عائداً ، فلم يكن له عليه إذنٌ ، فقال صَعْصَعَةُ للآذِنِ : قل له : يَرحَمُكَ اللَّهُ يا أميرَ المُؤمِنينَ ، حيّاً وميّتاً ، فو اللَّه ، لقد كانَ اللَّهُ في صَدرِكَ عَظِيماً ، ولَقد كُنتَ بِذاتِ اللَّهِ علِيماً ، فأبلَغَهُ الآذِنُ مقالة صَعْصَعَة ، فقال له عليٌّ عليه السلام :
قُل لَه : وأنتَ يَرحَمُكَ اللَّهُ ، فَلَقد كُنتَ خَفيفَ المَؤونَةِ ، كثيرَ المَعونَةِ « 2 » .
( قال الرَّاوي : ) ولمَّا الحد أمير المؤمنين عليه السلام ، وقف صَعْصَعَة بن صُوحان العبدي رضي الله عنه على القبر ، ووضع إحدى يديه على فؤاده ، والأُخرى قد أخذ بها التُّراب ويضرب به رأسه ، ثُمَّ قال : بأبي أنت وأمّي يا أمير المؤمنين ، ثُمَّ قال :
هنيئاً لك يا أبا الحسن ، فلقد طاب مَولِدُكَ ، وقَوِيَ صَبرُكَ ، وَعَظُمَ جِهادُكَ ، وظَفَرتَ بِرَأيِكَ ، ورَبِحَت تِجارَتُكَ ، وقَدِمتَ علَى خَالِقِكَ ، فتلقَّاكَ اللَّهُ بِبِشارَتِهِ ، وحفَّتكَ مَلائِكَتُهُ ، واستَقرَرتَ في جِوارِ المُصطَفى ، فأكرمَكَ اللَّهُ بِجِوارهِ ، ولَحِقتَ بِدَرَجةِ أخيكَ المُصطَفى ، وشَرِبتَ بِكأسِهِ الأوفى ، فأسألُ اللَّهَ أن يَمُنَّ عَلَينا باقتِفائِنا أَثَرَكَ والعملِ بِسِيرتِكَ ، والموالاةِ لأوليائِكَ ، والمعاداةِ لأعدَائِكَ ، وأن يحشرنا في زُمرةِ أوليائِكَ ، فَقد نِلتَ ما لَم يَنلهُ أحدٌ ، وأدركتَ ما لَم يُدرِكهُ أحَدٌ ، وجاهَدتَ في سبيلِ ربِّكَ - بَينَ يَدَي أخِيكَ المُصطَفى - حَقَّ جِهادِهِ ، وقُمتَ بِدينِ اللَّهِ حَقَّ القيامِ ، حَتَّى أقمتَ السُّننَ ، وأبَّرت الفتن « 3 » ، واستقامَ الإسلامُ ، وانتظَمَ الإيمانُ ، فَعَليكَ منِّي أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ ، بِكَ اشتدَّ ظهرُ المُؤمِنينَ ، واتَّضحت
هامش
( 1 ) . الغارات : ج 2 ص 893 ، تأويل الآيات الظاهرة : ج 2 ص 553 الرقم 4 ، بحار الأنوار : ج 23 ص 211 ح 19 .
( 2 ) . مقاتل الطالبين : ص 50 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 6 ص 119 ؛ الغارات : ج 2 ص 892 ( التعليقة 60 ) ، بحار الأنوار : ج 42 ص 234 ، سفينة البحار : ج 5 ص 109 ، أعيان الشيعة : ج 7 ص 388 .
( 3 ) . أبَّرَ الأثَرَ : عفّى عليه التراب ، والتّأبير : التعفية ومحو الأثر . ( لسان العرب : ج 4 ص 5 ) .