الجبين ، مشكوك العين بسهم ، مرتثّاً بالجراحة ، فوقف عليه منحنياً ! وجلس عند رأسه يبكي حتى فاضت نفسه المقدّسة ، ثمّ حمل الإمام عليه السلام على القوم فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالًا ، فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدَّ فيها الذئب ! وهو يقول : أين تفرّون وقد قتلتم أخي ! ؟ أين تفرّون وقد فتتم عضدي ! ؟ ثم عاد إلى موقفه منفرداً ! « 1 »
« ولمّا قُتل العباس قال الحسين عليه السلام : الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي ! » . « 2 »
ولقد تركه الإمام الحسين عليه السلام في المكان الذي صُرع فيه ، ولم يحمله إلى خيمة الشهداء كما فعل بمن سبقه منهم !
ولقد أجاد المحقّق المرحوم السيّد المقرّم حيث قال : « وتركه في مكانه لسرٍّ مكنون أظهرته الأيّام ، وهو أن يُدفن في موضعه منحازاً عن الشهداء ، ليكون له مشهدٌ يُقصد بالحوائج والزيارات ! وبقعة يزدلف إليها النّاس ، وتتزلّف إلى المولى سبحانه تحت قبّته التي ضاهت السماء رفعة وسناءً ، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة ، وتعرف الأمّة مكانته السامية ، ومنزلته عند اللّه تعالى ، فتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكد والزيارات المتواصلة ، ويكون عليه السلام حلقة الوصل فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، فشاء حجّة الوقت أبوعبداللّه عليه السلام كما شاء المهيمن سبحانه أن تكون منزلة « أبي الفضل » الظاهرية شبيهة بالمنزلة المعنوية الأُخروية ، فكان كما شاءا وأَحبّا » . « 3 »
والسلام على مولانا أبي الفضل العباس ما دام الليل والنهار !
هامش
( 1 ) راجع : إبصار العين : 62 - 63 .
( 2 ) راجع : البحار ، 45 : 42 ، ومقتل الحسين عليه السلام ، للخوارزمي ، 2 : 34 .
( 3 ) مقتل الحسين عليه السلام ، للمقرّم : 270 .