وروى ابن الجوزي عن الواقدي صيغة أخرى للرسالة الأولى التي بعث بها أهل الكوفة - ولعلّها رسالة أخرى - قائلًا : « ولمّا استقرّ الحسين بمكّة ، وعلم به أهل الكوفة كتبوا إليه يقولون : إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك ! ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة ، فاقدم علينا فنحن في مائة ألف ! وقد فشا فينا الجور ، وعُمل فينا بغير كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، ونرجوا أن يجمعنا الله بك على الحقّ ، وينفي عنّا بك الظلم ، فأنت أحقّ بهذا الأمر من يزيد وأبيه الذي غصب الأمّة فيئها ، وشرب الخمر ولعب بالقرود والطنابير ، وتلاعب بالدين .
وكان ممّن كتب إليه سليمان بن صُرد والمسيّب بن نجبة ووجوه أهل الكوفة . » . « 1 »
هامش
( 1 ) تذكرة الخواص : 215 / ويحسن هنا أن نذكّر أنّ تعاطي معاوية الخمر ولعبه بالقرود والطنابير ، وتلاعبه بالدين أمرٌ مفروغ منه ومسلّم به تأريخياً وقد صرّح بذلك أحمد في مسنده 5 : 347 ، وابن عساكر في تأريخه 7 : 211 ، وورد ذلك أيضاً في أُسد الغابة 3 : 299 ، وتأريخ بغداد 7 : 213 ، وقد جمعها العلامة الأميني في الغدير 10 : 183 ، ومعاوية هو الذي وصفه عليٌّ عليه السلام بأنّه « ظاهر غيّه ومهتوك ستره » وقد علّق ابن أبي الحديد على هذا الوصف قائلًا : « فأمّا قوله في معاوية : ظاهرٌ غيّه فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه ، وكلّ باغٍ غاوٍ ، وأمّا « مهتوك ستره » فإنه كان كثير الهزل والخلاعة ، صاحب جلساء وسُمّار ، ومعاوية لم يتوقّر ولم يلزم قانون الرياسة إلّا منذ خرج على أمير المؤمنين واحتاج إلى الناموس والسكينة ، وإلّا فقد كان في أيّام عثمان شديد الهتك ، موسوماً بكلّ قبيح وكان في أيّام عمر يستر نفسه قليلًا خوفاً منه ، إلّا أنه كان يلبس الحرير والديباج وكان حينئذٍ شابّاً وعنده نزق الصبا وأثر الشبيبة وسكر السلطان والإمرة .
ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنه كان يشرب الخمر في أيّام عثمان في الشام ، وأمّا بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه ، فقيل إنه شرب الخمر في ستر ، وقيل إنه لم يشرب ! ، ولا خلاف في أنه سمع الغناء وطرب عليه ، وأعطى ووصل عليه ! » ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 160 ) ، إذن فمعاوية في تهتّكه وفسقه ليس بأقل من ابنه يزيد شهرة وافتضاحاً .