قصّة موسى عليه السّلام :
« فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ »
وقول موسى :
« إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ »
. أي اختبارك . فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض ويشهد بعضها لبعض .
وأمّا آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله :
لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ *
، وقوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
، وقوله :
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ
، وقوله :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
، وقوله :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
، وقوله :
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
.
وكلّ ما في القرآن من بلوى هذه الآيات الّتي شرح أوّلها فهي اختبار وأمثالها في القرآن كثيرة . فهي إثبات الاختبار والبلوى : إنّ اللّه جلّ وعزّ لم يخلق الخلق عبثا ولا أهملهم سدى ولا أظهر حكمته لعبا وبذلك أخبر في قوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
. فإن قال قائل : فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتّى اختبرهم ؟ قلنا : بلى ؛ قد علم ما يكون منهم قبل كونه وذلك قوله
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
.
وإنّما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذّبهم إلّا بحجّة بعد الفعل ، وقد أخبر بقوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
وقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
. وقوله :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
. فالاختبار من اللّه بالاستطاعة الّتي ملّكها عبده وهو القول بين الجبر والتّفويض . وبهذا نطق القرآن وجرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرّسول صلى اللّه عليه وآله .
فإن قالوا : ما الحجّة في قول اللّه :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
و
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ *
وما أشبهها ؟ قيل : مجاز هذه الآيات كلّها على معنيين : أمّا أحدهما فإخبار عن قدرته أي إنّه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب ، والمعنى الآخر أنّ الهداية منه تعريفه .
كقوله :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
أي عرّفناهم
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
فلو