ولم يكن يلبس على بدنه شيئا من الحديد ، فعذل في ذلك ، فقال : رأيت في نومي النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعه جماعة من أصحابه فقال لي : يا بغا ، أحسنت إلى رجل من أمتي فدعا لك بدعوات استجيبت له فيك ، قال : فقلت : يا رسول اللّه ومن ذلك الرجل ؟
قال : الذي خلّصته من السباع ، فقلت : يا رسول اللّه ، سل ربك أن يطيل عمري ، فرفع يديه نحو السماء وقال : اللهم أطل عمره ، وأتم أجله ، فقلت : يا رسول اللّه ، خمس وتسعون سنة ، فقال رجل كان بين يديه : ويوقّى من الآفات ، فقلت للرجل : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ، فاستيقظت من نومي ، وأنا أقول : علي بن أبي طالب .
وكان بغا كثير التعطف والبر للطالبيين ، فقيل له : من كان ذلك الرجل الذي خلصته من السباع ؟ قال : كان أتى المعتصم برجل قد رمى ببدعة ، فجرت بينهم في الليل مخاطبة في خلوة ، فقال لي المعتصم : خذه فألقه إلى السباع ، فأتيت بالرجل إلى السباع لألقيه إليها وأنا مغتاظ عليه ، فسمعته يقول : اللهم إنك تعلم ما تكلمت إلا فيك ، ولم أرد بذلك غيرك ، وتقربا إليك بطاعتك ، وإقامة الحق على من خالفك ، أفتسلمني ؟
قال : فارتعدت وداخلتني له رقّة ، وملئ قلبي له رعبا ، فجذبته عن طرف بركة السباع ، وقد كدت أن أزج به فيها ، وأتيت به حجرتي فأخفيته فيها ، وأتيت المعتصم فقال : هيه ، قلت : ألقيته ، قال : فما سمعته يقول ؟ قلت : أنا عجمي وهو يتكلم بكلام عربي ما أدري ما يقول ، وقد كان الرجل أغلظ ، فلما كان في السحر قلت للرجل :
قد فتحت الأبواب وأنا مخرجك مع رجال الحرس ، وقد آثرتك على نفسي ، ووقيتك بروحي ، فاجهد ألا تظهر في أيام المعتصم ، قال : نعم ، قلت : فما خبرك ؟
قال : هجم رجل من عماله في بلدنا على ارتكاب المكاره والفجور وإماتة الحق ونصر الباطل ، فسرى ذلك إلى فساد الشريعة ، وهدم التوحيد ، فلم أجد عليه ناصرا ، فوثبت عليه في ليلة فقتلته ؛ لأن جرمه كان يستحق به في الشريعة أن يفعل به ذلك . [ 1 ]
هامش
[ 1 ] مروج الذهب : 4 / 160 - 161 .