فإن ما هو آت من الدنيا ، كما ولّي منها ، فاعتبر بها .
قال علي بن الحسين عليهما السلام : « إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء اللّه وأهل المعرفة بحق اللّه كفيء الظلال .
ثم قال عليه السلام : أو لا حرّ يدع [ هذه ] اللمّاظة لأهلها - يعني الدنيا - فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها ، فإنه من رضي من اللّه بالدنيا فقد رضي بالخسيس » .
يا هشام : إن كل الناس يبصر النجوم ، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها . وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ، ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها .
يا هشام : إن المسيح عليه السلام قال للحواريين : « يا عبيد السوء يهولكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها . كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده ، وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها .
يا عبيد السوء نقّوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله ، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه ، بحق أقول لكم : لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنة . كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها . يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم : لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون ، فلا تنظروا بالتوبة غدا ، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء اللّه فيهما يغدو ويروح .
بحق أقول لكم : إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء . وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب . وإن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس ، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجمع وتكثر فتحيط بكم . بحق أقول لكم : إن الناس في الحكمة رجلان : فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله . ورجل أتقنها بقوله وضيّعها بسوء فعله ،
مسند الإمام الكاظم ( ع ) — صفحة 230
مساهمون: الشيخ عزيز الله عطاردي
ص٢٣٠