لما رآه بحيرا قال : نعرفه * بما حفظنا من الأسماء والسّيم
سائل حراء ، وروح القدس : هل علما * مصون سرّ عن الإدراك منكتم ؟
كم جيئة وذهاب شرّفت بهما * بطحاء مكة في الإصباح والغسم
ووحشة لابن عبد اللّه بينهما * أشهى من الأنس بالأحباب والحشم
يسامر الوحي فيها قبل مهبطه * ومن يبشّر بسيمى الخير يتّسم
لما دعا الصّحب يستسقون من ظمأ * فاضت يداه من التسنيم بالسّنم
وظلّلته ، فصارت تستظلّ به * غمامة جذبتها خيرة الديم
محبة لرسول اللّه أشربها * قعائد الدّير ، والرّهبان في القمم
إنّ الشمائل إن رقّت يكاد بها * يغرى الجماد ، ويغرى كلّ ذي نسم
ونودي : اقرأ تعالى اللّه قائلها * لم تتصل قبل من قيلت له بفم
هناك أذّن للرحمن ، فامتلأت * أسماع مكّة من قدسيّة النّغم
فلا تسل عن قريش كيف حيرتها ؟ * وكيف نفرتها في السهل والعلم ؟
تساءلوا عن عظيم قد ألمّ بهم * رمى المشايخ والولدان باللّمم
يا جاهلين على الهادي ودعوته * هل تجهلون مكان الصادق العلم ؟
لقّبتموه أمين القوم في صغر * وما الأمين على قول بمتّهم
فاق البدور ، وفاق الأنبياء . فكم * بالخلق والخلق من حسن ومن عظم
جاء النبيون بالآيات ، فانصرمت * وجئتنا بحكيم غير منصرم
آياته كلّما طال المدى جدد * يزينهنّ جلال العتق والقدم
يكاد في لفظة منه مشرّفة * يوصيك بالحق ، والتقوى ، وبالرحم
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة * حديثك الشّهد عند الذائق الفهم
حلّيت من عطل جيد البيان به * في كلّ منتثر في حسن منتظم
بكلّ قول كريم أنت قائله * تحيي القلوب ، وتحيي ميّت الهمم
سرت بشائر بالهادي ومولده * في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم
تخطّفت مهج الطاغين من عرب * وطيرت أنفس الباغين من عجم
ريعت لها شرف الإيوان ، فانصدعت * من صدمة الحق ، لا من صدمة القدم
أتيت والناس فوضى لا تمرّ بهم * إلّا على صنم ، قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورا ، مسخّرة * لكلّ طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيّته * وقيصر الروم من كبر أصمّ عم