كأنها الحوض تبيضّ الوجوه به * من العصاة وقد جاءوه كالحمم
وكالصّراط وكالميزان معدلة * فالقسط من غيرها في النّاس لم يقم
لا تعجبن لحسود راح ينكرها * تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم
في إسرائه ومعراجه صلى اللّه عليه وسلم
يا خير من يمّم العافون ساحته * سعيا وفوق متون الأينق الرّسم
ومن هو الآية الكبرى لمعتبر * ومن هو النّعمة العظمى لمغتنم
سريت من حرم ليلا إلى حرم * كما سرى البدر في داج من الظّلم
وبتّ ترقى إلى أن نلت منزلة * من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم
وقدّمتك جميع الأنبياء بها * والرّسل تقديم مخدوم على خدم
وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم * في موكب كنت فيه صاحب العلم
حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق * من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم
خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ * نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم
كيما تفوز بوصل أيّ مستتر * عن العيون وسرّ أيّ مكتتم
فحزت كلّ فخار غير مشترك * وجزت كلّ مقام غير مزدحم
وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب * وعزّ إدراك ما أوليت من نعم
بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا * من العناية ركنا غير منهدم
لمّا دعا اللّه داعينا لطاعته * بأكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم
في جهاد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم
راعت قلوب العدا أنباء بعثته * كنبأة أجفلت غفلا من الغنم
ما زال يلقاهم في كلّ معترك * حتى حكوا بالقنا لحما على وضم
ودّوا الفرار فكادوا يغبطون به * أشلاء شالت مع العقبان والرّخم
تمضي الليالي ولا يدرون عدّتها * ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم
كأنما الدّين ضيف حلّ ساحتهم * بكلّ قرم إلى لحم العدا قرم
يجرّ بحر خميس فوق سابحة * يرمي بموج من الأبطال ملتطم
من كلّ منتدب للّه محتسب * يسطو بمستأصل للكفر مصطلم
حتى غدت ملّة الإسلام وهي بهم * من بعد غربتها موصولة الرّحم