تولّى اللّه تعالى تربيته وطهّره من دنس الوثنيّة ، فما عظّم وثنا للجاهلية ، ولا صنما عبد من دون اللّه .
هكذا كان في عهد شبابه متمتّعا بكمال الحرّيّة ، مستقلّا ومستقيما وهكذا كان في عهد صباه .
ولمّا بلغ أربعين سنة جاءه جبريل بوحي ربّ البريّة ، قال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق :
الآية 1 ] وأخبره أنه نبيّ اللّه .
ثمّ أمره اللّه بإنذار قومه فقام بهمّة عليّة ، وقال : « يا أيها الناس ! قولوا لا إله إلّا اللّه » .
وقال : « اعبدوا اللّه وحده لتفوزوا بالسعادة الأبديّة » ، وقال : « اتركوا ما يقول آباؤكم » ، فعادوه أشدّ المعاداة .
وأغروا به سفهاءهم فقذفوا بالحجارة وواجهوه بالأذيّة ، وتجاوزوا الحدّ في ظلم كلّ من آمن به ووالاه .
ثم أجمعوا على قتله ليطفئوا نور شريعته الإلهيّة ، فأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره ويحفظ عليه ما أولاه .
وأمره عند ذلك بالخروج من مكّة فهاجر إلى المدينة البهيّة ، وأقام فيها موفور الكرامة إلى أن حضرته الوفاة .
قام وحده ودعا إلى اللّه وليس له عصبيّة دينيّة ، ولا مال ولا جند وإنما أيّد بجند مولاه .
وتلا القرآن فبهر العرب الفصحاء بآياته الرّبانيّة ، وتحدّى به البلغاء فعجزوا عن الإتيان بمثل مبناه ومعناه .
ولو استطاعوا أن يأتوا بمثله ويدحضوا حججه القويّة ، لما اختاروا قتال من لقّبوه بالأمين لإحسانه وحسناه .
جهل قومه عليه فأغضى حلما والحلم فيه سجيّة ، وجفوه والجذع حنّ إليه حين مفارقته إيّاه .
وعرفه الأحبار فأنكروه وكيف لا يكون رسول اللّه ونبيّه ، وبه بشّر الإنجيل وصرّح بجلالة قدره الزّبور والتّوراة ؟ ! .
صلّى اللّه تعالى وسلّم على ذاته المقدّسة النّقيّة ، وزاد فضله وعلاه وأعزّ دينه القويم وقوّاه .