وقد قال بجواز السّماع من الصحابة والتابعين خلق كثير وهي تحفة نقل صاحب النهاية في شرح الهداية من الحنفية إباحة الغناء وقصيدة المشهورة وإشارته صلى اللّه عليه وسلم إلى الخلق : أن اسمعوا لكفى .
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة الغناء في بيته صلى اللّه عليه وسلم وضرب الدف في حضرته ورقص الجيوش في مسجده وإنشاد الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه . وكان صلى اللّه عليه وسلم مع أصحابه مكان المائدة يتحلّقون حلقة دون حلقة فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء والأخبار فيما يشهد لهذا كثيرة . وقد يجمع بينها بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال .
وذكر بعض العلماء أن الجهر أفضل لأنه أكثر عملا ولتعدي فائدته إلى السامعين ويوقظ قلب الذاكر ويطرد النوم ويوجد النشاط .
وأما قوله تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
[ الأعراف : الآية 205 ] فأجيب عنه بأنها مكية كآية الإسراء
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
[ الإسراء : الآية 110 ] نزلت لئلا يسمعه المشركون فيسبوا القرآن ، ومن أقل له فأمر به سدا للذريعة كما نهى عن سب الأصنام لذلك . وقد زال إلى أن قال : وأما رفع الصوت بالذكر فجائز . وفي مسألة السماع كلام يتحمل مجلدا ، وأما إنشاد الأنشاد في المسجد فلو لم يكن إلّا حديث كعب كثيرة غية « 1 » ، فأما حلق الذكر والجهر به في المساجد وإنشاد القصائد فقد جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر نحو : « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة . والذاكر في الملأ لا يكون إلّا عن جهر وكذا حلق الذكر وطوف الملائكة بها وما ورد بينها من الأحاديث فإن ذلك إنما يكون في الجهر بالذكر اه .
تمّ المجموع المبارك
هامش
( 1 ) كذا بالأصل وهي غير واضحة .