اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
قيل : من يكفل هذه الدّرّة اليتيمة ، التي لا توجد لها قيمة ؟ قالت الطّيور نحن نكفله ونغتنم همّته العظيمة ، قالت الوحوش : نحن أولى بذلك لكي ننال شرفه وتعظيمه . قيل :
يا معشر الأمم اسكنوا ، فإنّ اللّه قد حكم في سابق حكمته القديمة ، بأنّ نبيّه محمّدا صلى اللّه عليه وسلم يكون رضيعا لحليمة الحليمة .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
ثمّ أعرض عنه مراضع الإنس ، لما سبق في طيّ الغيب من السّعادة لحليمة بنت أبي ذؤيب ، فلمّا وقع نظرها عليه بادرت مسرعة إليه ، ووضعته في حجرها وضمّته إلى صدرها ، فهشّ لها متبسّما ، فخرج من ثغره نور لحق بالسّماء ، فحملته إلى رحلها وارتحلت به إلى أهلها ، فلمّا وصلت به إلى مقامها عاينت بركته على أغنامها ، وكانت كلّ يوم ترى منه برهانا وترفع له قدرا وشانا ، حتّى اندرج في حلّة اللّطف والأمان ودخل بين إخوته مع الصّبيان .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
فبينما هو ذات يوم ناء عن الأوطان ، إذ أقبل عليه ثلاثة نفر كأنّ وجوههم الشّمس والقمر ، فانطلق الصّبيان هربا ووقف النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم متعجّبا ، فأضجعوه على الأرض إضجاعا خفيفا ، وشقّوا بطنه شقّا لطيفا ، ثم أخرجوا قلب سيّد ولد عدنان ، وشرحوه بسكّين الإحسان ، ونزعوا منه حظّ الشّيطان ، وملئوه بالحلم والعلم واليقين والرّضوان ، وأعادوه إلى مكانه فقام الحبيب صلى اللّه عليه وسلم سويّا كما كان .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
فقالت الملائكة : يا حبيب الرّحمن لو علمت ما يراد بك من الخير لعرفت قدر منزلتك على الغير ، وازددت فرحا وسرورا وبهجة ونورا ، يا محمّد أبشر فقد نشرت في الكائنات أعلام علومك ، وتباشرت المخلوقات بقدومك ، ولم يبق شيء مما خلق اللّه تعالى إلّا جاء طائعا ولمقالتك سامعا ، فسيأتيك البعير بذمامك يستجير ، والضّبّ والغزالة يشهدان لك بالرّسالة ، والقمر والشجر والذّيب ، ينطقون بنبوّتك عن قريب ، ومركبك البراق ، إلى جمالك مشتاق ، وجبريل شاووس مملكتك قد أعلن بذكرك في الآفاق ، والقمر مأمور لك بالانشقاق .
اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه
وكلّ من في الكون متشوّق لظهورك ، منتظر لإشراق نورك . فبينما الحبيب صلى اللّه عليه وسلم منصت لسماع تلك الأشباح ، ووجهه متهلّل كنور الصباح ، إذ أقبلت حليمة معلنة بالصّياح تقول : وا غريباه ! فقالت الملائكة : يا محمّد ما أنت بغريب ، بل أنت من اللّه
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 155
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٥٥