وأخرج أبو نعيم : أن آمنة قالت : لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام . نقله السيوطي في الخصائص . ومن هذه الأحاديث وشبهها يعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج من المحل المعلوم للولادة بدليل خروج النور منه وبه يعلم بطلان قول من زعم أنه خرج من ثقبة تحت السرة ، ومن زعم أنه خرج من شقها الأيمن من غير فرج . قال الإمام المسناوي : وكل ذلك لا أصل له ولا شك أنه لو وقع لنقل تواترا لكونه مما تتوفر الدواعي على نقله لأنه خارق للعادة وهو إن كان لا مانع منه عقلا لكنه لم يقع ، والأحاديث ظاهرة في خلافه واللّه أعلم .
قال الحافظ الشيخ عبد الرحمن بن رجب في كتابه لطائف المعارف : خروج هذا النور عند ولادته صلى اللّه عليه وسلم إشارة إلى ما يجيء من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزالت به ظلمات الشرك . قال تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
[ المائدة : الآية 15 ] الآية ، وإضاءة قصور بصرى بالنور الذي خرج معه إشارة إلى ما خص به الشام من نور نبوّته وأنها دار ملكه .
قال كعب الأحبار : إن في الكتب السالفة : محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام ، فمن مكة بدت نبوّته وإلى الشام انتهى ملكه ، ولهذا أسري به صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس كما هاجر قبله إبراهيم إلى الشام ، وفيها ينزل عيسى ابن مريم وهي أرض المحشر والمنشر .
أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحهما كلهم عن عبد اللّه بن حوالة الصحابي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عليكم بالشام فإنها « 1 » خيرة اللّه من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده » . وإلى تنقّل نوره صلى اللّه عليه وسلم في الأصلاب الطيبة والأرحام الطاهرة وما وقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور وامتلاء البيت بالنور أشار سيدنا العباس بن عبد المطلب عمّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لما دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة مقدمه من غزوة تبوك في رمضان وبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس وقال له سيدنا العباس : يا رسول اللّه أتأذن لي أمتدحك ، قال له : « قل لا يفضض اللّه فاك » « 2 » ، فقال :
من قبلها « 3 » طبت في الظلال « 4 » وفي * مستودع « 5 » حيث يخصف الورق
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ، حديث عقبة بن مالك ، حديث رقم ( 17046 ) [ ج 4 / 110 ] ، وأبو داود في سننه ، باب في سكنى الشام ، حديث رقم ( 2483 ) [ 3 / 4 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث حبيب بن يساف [ 1 / 364 ] ، وأبو الفرج في صفوة الصفوة [ 1 / 54 ] ورواه غيرهما .
( 3 ) قبلها : أي الدنيا .
( 4 ) الظلال : ظلال الجنة .
( 5 ) مستودع : أي في صلب آدم عليه السلام .