فأمر عليه الصلاة والسلام عليّا - رضى اللّه عنه - أن يتّشح ببرده وينام مكانه ، وقال له - كما في رواية ابن إسحاق - : « لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم » « 1 » فكان علىّ أول من شرى نفسه في اللّه ، ووقى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
واستشكل هذا بأنه بعد خبر الصادق : « لن يخلص إليك شيء منهم » تحقق أنه لا يصيبه منهم ضرر ، فلم يكن فيه فداء بالنفس والإيثار بالحياة ، وأجيب بجواز أنه أخبره بذلك بعد أمره بالنوم وامتثاله فصدق أنه بالامتثال باع نفسه قبل بلوغ الخبر ، ويحتمل أنه فهم أن لن يخلص إليك ما دام البرد عليك لجعله ذلك علّة لأمره بتغطيه به ، والبرد لا يؤمن زواله عنه بريح وانقلاب في نوم فصدق على هذا أنه باع نفسه .
وأما معارضته رواية ابن إسحاق : « لن يخلص إليك » . بأنه لم يذكرها المقريزي في « الإمتاع » وإنما فيه أنه أمره أن ينام مكانه لأمر جبريل له بذلك ففاسدة ؛ إذ الترك لا يناقض ، وزيادة الثقة مقبولة .
وأما ما روى - كما في « الإحياء » - : أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى جبريل وميكائيل أنى قد آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ، فاختار كل منهما الحياة ، فأوحى اللّه إليهما ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوة ، فنزلا ، فكان جبريل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ينادى جبريل : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب يباهى اللّه به الملائكة ؟ ، وفيه نزل :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
« 2 » .
فقد قال الحافظ ابن تيمية : أنه كذب باتفاق علماء الحديث والسير . وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث « الإحياء » : رواه أحمد مختصرا ، عن ابن
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام ( 2 / 93 - 95 ) ، دلائل النبوة للبيهقي ( 2 / 466 - 468 ) ، السيرة الشامية ( 3 / 231 ) ، المنتظم ( 3 / 45 ) ، الوفا ص ( 232 ) .
( 2 ) سورة البقرة : 207 .