وأنت تعلم : أنّهم لو لم يؤثروهم ، لما كان عليهم في ذلك من جناح ، لكنهم مثّلوا الحنان والرحمة بأجلى مظاهرهما حين لم يكونوا مكلّفين بذلك ، ولا مسئولين عنه ، وتلك من أفضل صفات المقرّبين .
بقي أعظم الشهادات وأجلّها وأقوى الأدلة على تزكيتهم وأدلّها ، ألا وهو الذي أشار إليه سبحانه وتعالى حيث قال بلسان حالهم عن مكنون سرائرهم :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً
« 1 » بفعل تفعلونه ( ولا شكورا ) بقول تقولونه
إِنَّا نَخافُ
« 2 »
مِنْ رَبِّنا يَوْماً
موصوفا على سبيل المجاز بكونه ( عبوسا قمطريرا ) شديد العبوس ، تشبيها له في شدّته وضرره وتخويفه بالأسد العبوس أو بالحاكم المتنمّر العبوس ، ويجوز وصفه بصفة أهله لعبوسهم يومئذ من شدّة أهواله له كقولهم : نهارك صائم .
وأنت إذا تدبّرت بشائره لهم بالأمن من أهوال ذاك اليوم ، تعرف مزيد عنايته بهم عليهم السّلام ، حيث لم يكتف منها ببشارة واحدة ، بل جعل البشائر مترادفة متوالية وكل واحدة منها أعظم من سابقتها .
قال أولا :
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ
« 3 » تأمينا لهم من شرّه وضرّه .
ثم أربى على ذلك ، فقال : ( ولقّاهم نضرة ) في وجوههم ( وسرورا ) في قلوبهم بدل عبوس أعدائهم وحزنهم .
ثم ترقى في البشارة ، فقال : ( وجزاهم بما صبروا ) على الإيثار مع شدّة الجوع ابتغاء لمرضاة اللّه ( جنة وحريرا ) .
ثم لم يكتف في البشارة بالجنة على سبيل الإجمال ، حتى فصّل فيها أكثر
هامش
( 1 ) سورة الإنسان : الآية 8 .
( 2 ) فعن مجاهد « كما في الكشاف وغيره » إنّهم لم يقولوا ( حين أطعموا الطعام ) شيئا ، وإنّما علمه اللّه منهم ، فأثنى به عليهم ، وهذا من عظيم عنايته بهم .
( 3 ) سورة الإنسان : الآية 11 .