الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً * وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
« 1 » .
إلى آخر ما اشتملت عليه آيات الفرقان من صفاتهم الكاملة .
وإنّما وصل فعل الشرب في الآية الأولى بمن الابتدائية ، ووصله في الآية الثانية بباء الإلصاق ، لأنّ الكأس مبتدأ شربهم ، والعين يمزجون بها شرابهم فيكون المعنى « يشربون الشراب ماء تلك العين » ، كما تقول : شربت الماء بالعسل .
وهذه العين « يفجرونها » أي : يجرونها حيث شاءوا من كل مكان أرادوا « تفجيرا » سهلا يسيرا ، لا تلحقهم فيه كلفة ، ولا يجدون فيه من مشقة .
وقد بين اللّه سبحانه وتعالى السبب في استحقاقهم لهذه الكرامة ، فقال :
« يوفون بالنذر » جوابا لسؤال مضمر ، تقديره : « ما الذي فعلوه فاستحقوا به هذا الجزاء » ؟
وأنت تعلم : أن ليس المراد من وصفهم بالوفاء بالنذر إلّا المبالغة في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات ، لأنّ من وفى بما أوجبه هو على نفسه ، كان بما أوجبه اللّه عليه أوفى ، وتلك شهادة لهم من اللّه تعالى
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
.
لم يقتصر سبحانه في تزكيتهم بهذه الشهادة على المبالغة في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات ، حتى بالغ في بعدهم عن المحرمات والشبهات بما وصفهم فيه من خشية اللّه والخوف من يوم القيامة .
حيث قال ، وهو أصدق القائلين :
وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً
« 2 » يريد بذلك أنّ هذا الخوف العظيم يستوجب كونهم نصب أمره ونهيه ، وتلك منزلة المعصومين .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : الآيات : 62 - 64 .
( 2 ) سورة الانسان ، الآية 7 .