ومن تدبّر القرآن الحكيم ، وغاص على أسراره البالغة ، وجد في هذه الآيات البينات من عناية اللّه تعالى في هؤلاء الأبرار أمرا عظيما لا يوصف بكيف ، ولا يقدر بكم .
ألا ترى كيف رتّب هذه الشهادات في تزكيتهم ، فكانت كلّ شهادة أكبر من سابقتها .
إذ شهد أولا بأنّهم « يوفون بالنذر » .
ثمّ شهد ثانيا « بأنهم يخافون يوما كان شره مستطيرا » ، فكانت أعظم من الأولى ، لدلالتها بصريح العبارة على رسوخ الإيمان باللّه واليوم الآخر .
ثمّ شهد لهم ثالثا بما هو أعظم من ذلك ، فقال :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
« 1 » الضمير في حبّه للطعام على الأظهر ، والمعنى : أنهم يطعمون الطعام مع حبّه لشدة جوعهم بسبب صومهم ثلاثة أيام لا يذوقون في لياليها غير الماء .
وهذا على حدّ قوله تعالى :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
« 2 » ، وقوله سبحانه :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
« 3 » ، وقوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 4 » .
وإنّما كانت هذه الشهادة أعظم لكشفها عن كمال نفوسهم ، وبلوغهم أقصى الغايات في حبّ الخير والإيثار على أنفسهم ، إشفاقا على المسكين ورأفة باليتيم ، وعطفة على الأسير .
هامش
( 1 ) سورة الانسان : الآية 8 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 177 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 92 .
( 4 ) سورة الحشر : الآية 9 .