والمراد من تذليل قطوفها ، جعلها ذللا ، لا تمتنع على قاطفها متى أراد ، وكيف شاء .
ويجوز أن تكون مأخوذة من الذل بمعنى الخضوع لسهولة قطفها كيف شاء قطافها .
ولو اكتفى جلّ وعلا بهذا القدر من بيان فوزهم في دار كرامته لكفاهم شرفا وفضلا ، لكنه سبحانه آثر الإطناب فيما تحدّى به من معجزات الكتاب ، ليمثل بذلك عنايته التامة فيهم تمثيلا ، وليفضّلهم على من سواهم تفضيلا ، فقال :
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ
« 1 » خلقها اللّه تعالى بباهر قدرته وإتقان صنعه ، فقال : كوني من جنس الفضة في صفاء القوارير وشفيفها ، ولذا
كانَتْ قَوارِيرَا
« 2 »
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ
.
فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، كيف جمع فيها بين صفتي المعدنين المتباينين .
ثم لم يكتف سبحانه ببيان جنس تلك القوارير وباهر وصفها ، حتى وصفها أيضا بقوله : « قدّروها » في أنفسهم « تقديرا » خاصا على كيفية مخصوصة تشتهيها نفوسهم ، وتلذّ بها أعينهم فجاءت كما قدروا على حسب ما يتمنّون .
ثم شرح تبارك وتعالى ما يقع استعماله منهم في تلك الأكواب ، فقال :
وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً
« 3 » أي : خمرة موصوفة بقوله ( كان مزاجها ) الذي تمزج
هامش
- « متكئين » ، « ولا يرون » ، « ودانية » صفات للجنة ، فلتكن هذه الجملة صفة لها أيضا ، هذا كله مع نصب « دانية » .
أما مع رفعها على الإخبار بها عن ظلالها ، فتكون هي « وظلالها » جملة ابتدائية ، والجملة من « وذللت » معطوفة عليها .
( 1 ) سورة الإنسان : الآية 15 .
( 2 ) الألف هنا للإطلاق ، وهي فاصلة بين « قوارير » الأولى والثانية ، وهما لا ينصرفان لكونهما في صيغة منتهى المجموع .
( 3 ) سورة الإنسان : الآية 17 .