واحتجّوا بقوله تعالى
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ
« 1 » وبقوله تعالى :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ
« 2 » والإنفاق غليظ في المحنة ، وهو يعدل البذل للنفس ، فإنّهما جودان : جود بالنفس وجود بالمال ، وما سواهما محال عندهما .
ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة الإنفاق ، فقالوا : درجة أهل الورع ، واحتجّوا بقول اللّه عزّ وجلّ :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
« 3 » وقوله تعالى :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
« 4 » فهذه علامات أهل الورع .
ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة أهل الورع ، فقالوا : الزهد في الدنيا ، واحتجّوا بقوله تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
إلى قوله تعالى :
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
« 5 » وبقوله تعالى :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
« 6 » الآية .
فلمّا عرفنا هذه ما أجمعوا عليه من هذه الدرجات التي يتفاضل بها المؤمنون ، قلنا لهم : خبّرونا عن هذه الدرجات التي قد اجتمعت في رجل ، هل يدفعه أحد لم يجتمع فيه ؟ قالوا : اللّهمّ لا ، قلنا : فما حكمه ؟ قالوا : حكمه أنّه أفضل المؤمنين ، إلّا أن يكون مؤمن آخر قد اجتمعت فيه الدرجات فيكونا سواء ، قلنا : فهل عندكم حجّة تدفعون بها هذه المقالة ؟ قالوا : اللّهمّ لا ، وذلك أنّ كلّ درجة من هذه الدرجات قائمة بعينها ، وقد أنزل اللّه سبحانه فيها كتابا ، ووعد عليها ثوابا لا يشبه ما وعد اللّه تعالى في الدرجة الأخرى .
فلمّا أقروا بذلك ، قلنا لهم : هل بقي شيء تحتجّون به وترجعون عمّا أقررتم به ؟
قالوا : لا نعرف في شيء من القرآن ، ولا في قول قائل ، ولا في المعقول ، قلنا لهم :
خبّرونا عن هذه الدرجات من الذي اجتمعت فيه ، ومن فيه بعضها دون بعض ، وسمّوهم لنا .
هامش
( 1 ) . البقرة : 254 .
( 2 ) . محمد : 38 .
( 3 ) . المؤمنون : 1 .
( 4 ) . النور : 37 .
( 5 ) . يونس : 24 .
( 6 ) . الحديد : 20 .