من المحيط المكي إلى محيط آخر يتسنى له تبليغ رسالته .
وحيث انّ الطائف كانت تعتبر آنذاك مركزا هامّا ، لذلك رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ان يسافر لوحده إلى الطائف ، ويجري بعض الاتصالات مع زعماء قبيلة ثقيف وساداتها ويعرض دينه عليهم علّه يحرز نجاحا ويكسب أنصارا جددا لرسالته من هذا الطريق .
ولما انتهى صلّى اللّه عليه وآله إلى الطائف عمد إلى نفر من قبيلة « ثقيف » هم يومئذ سادة ثقيف واشرافهم ، وجلس صلّى اللّه عليه وآله إليهم ، ودعاهم إلى اللّه ، فلم يؤثر فيهم كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقالوا له : لئن كنت رسولا من اللّه كما تقول لأنت أعظم خطرا من أردّ عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي لي ان أكلمك ! !
( 1 ) فعرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من ردّهم الصبياني أنهم يحاولون التملّص من قبول الدعوة واعتناق الاسلام ، فقام صلّى اللّه عليه وآله من عندهم بعد ان طلب منهم أن يكتموا ما جرى في هذا اللقاء خشية أن يعرف سفهاء ثقيف فيتجرءوا عليه ويتخذوا ذلك ذريعة لاستغلال غربته ووحدته ، ومن ثم إيذائه ، فوعدوه بالكتمان ، ولكنهم - وللأسف - لم يحترموا وعدهم هذا الذي أعطوه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، وفجأة وجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نفسه محاطا بجمع كبير من أولئك السفهاء يسبّونه ويصيحون به حتى اجتمع الناس ، وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه في تلك الساعة ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد إلى ظل فجلس فيه وهو يتصبب عرقا ، وقد الحقوا الأذى بمواضع عديدة من بدنه الشريف ورجلاه تسيلان من الدماء ، وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، وقد كانا من أثرياء قريش ، يومئذ .
( 2 ) فلما اطمأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله توجه إلى ربه وناجاه قائلا :
« اللّهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على النّاس ، يا أرحم الرّاحمين ، أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي ، إلى من تكلني ، إلى
سيد المرسلين — صفحة 557
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٥٧