( 1 ) وهذا الشرط لم يكن متوفرا في بعض مقترحات المشركين المذكورة ( المقترح الرابع ) فإنهم طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وآله ان يأتي لهم باللّه سبحانه وتعالى ليقابلوه وجها لوجه ، ويروه جهرة ومن قريب ، ورؤية اللّه تعالى امر محال ، لأن رؤيته تستلزم أن يكون سبحانه محدودا بالزمان والمكان ، وأن يكون جسما وذلون وصورة وهو تعالى منزه عن المادّة ولوازم المادية .
بل حتى مقترحهم الثالث لو كان المقصود منه أن تسقط السماء عليهم ( لا أن تسقط قطعة من الصخر على رؤوسهم وتقتلهم ) فان ذلك هو أيضا من المحالات إذ أن المشيئة الإلهية تعلّقت بان يفعل اللّه هذا في نهاية العالم ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله كان قد أخبر المشركين بهذا الأمر أيضا كما يدل عليه قولهم :
« كما زعمت » .
إنّ انهدام المنظومة الشمسيّة وتبعثر النجوم وتساقطها وإن لم يكن في حد ذاته بالأمر المحال ، ولكنّه - حسب المشيئة الإلهية الحكمية وإرادته النافذة القاضية بأن يستمر النوع البشري ، ويصل إلى مرحلة الكمال - يعدّ محالا ، ولا يمكن أن يفعل حكيم خلاف ما يقتضيه هدفه وغايته .
( 2 ) ثانيا : حيث أنّ الغاية المنشودة من اقتراح وطلب الإعجاز هو أن يستدلّ به على صدق دعوى النبيّ ، وصحة انتسابه إلى اللّه ، وبالتالي يكون بدافع تحصيل سند على ارتباطه بالعالم ما فوق الطبيعة ، لذلك فان أيّ اقتراح ومطالبة بالمعجزة لا تتوفر فيها هذه الصفة يعني على فرض أن يلبيّ النبي طلبهم ويأتي لهم بالمعجزة لا يكون ذلك دليلا على ارتباطه بعالم الغيب ، فحينئذ لا معنى ولا موجب لأن يقوم النبيّ بما لا يرتبط بشئونه ولا يخدم هدفه .
وقد كانت بعض مقترحات المشركين المذكورة من هذا النوع ، وذلك مثل تفجير ينبوع من الأرض ، أو أن تكون له جنّة من نخيل وعنب ، أو أن يكون له بيت من زخرف وذهب ، فان مثل هذه الأمور لا تدل على نبوّة من يمتلكها إذ ما أكثر الذين يمتلكون واحدة من هذه الأشياء وليسوا مع ذلك بأنبياء ، بل ربما يملكون أكثر من ذلك ، ومع ذلك لا يشم فيهم رائحة الايمان فضلا عن النبوة .
سيد المرسلين — صفحة 433
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٣٣