لا شيء يذكر .
بهذا التصوّر ، وبهذه العقليّة واجهت زعامة « مكة » دعوة النبي في البداية ، ( 1 ) ولهذا لم يقم زعماء قريش خلال هذه السنوات الثلاث بأيّ عمل عدائيّ ضدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، بل ظلّوا ينظرون إليه بنظر الاحترام ، ويراعون معه قواعد الأدب والسلوك ، وكان النبيّ هو أيضا لا يتعرض لأصنامهم وآلهتهم في هذه الأعوام الثلاثة بسوء ولا يتناولها بالنقد والاعتراض بصورة علنية ، بل كان مركّزا جهده على الاتصال الشخصي بذوي البصائر من الأشخاص وهدايتهم إلى دينه الحنيف .
ولكن منذ أن بدأ النبيّ دعوة الأقربين وأخذ ينتقد وثنيّتهم ، ويذكر أوثانهم بسوء ويعترض على تصرفاتهم الإنسانية أصبح حديث الألسن . ومنذ ذلك اليوم أيضا بدأت يقظة قريش ، وعرفوا أمر محمّد يختلف عن أمر « ورقة » و « اميّة » اختلافا بينا وان المبين الدعوتين فرقا كبيرا ، ولهذا بدأت المعارضة والمخالفة السرّية والعلنية ، لدعوة النبيّ .
وقد بدأ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بكسر جدار الصمت بدعوة أقربائه إلى دينه ثم شرع بعد ذلك بدعوة الناس أجمعين .
( 2 ) على أنه ما من شك في أنّ الاصلاحات العميقة التي يراد لها ان تترك أثرا في جميع شؤون الناس وكل مناحي حياتهم ، وتغيّر مسير المجتمع تحتاج قبل أيّ شيء إلى قوتين :
1 - قوة البيان ، بأن يستطيع الداعية والمصلح بيان الحقائق التي جاء بها من أفكاره الخاصة ، أو ما تلقّاه عن طريق آخر إلى الناس بأسلوب جذاب ، يأسر القلوب ، ويسحر العقول .
2 - القوة الدفاعية التي يستطيع تشكيل خطّ دفاعي منها عند التعرض لهجوم الأعداء والخصوم ، وفي غير هذه الصورة ستنطفئ شعلة الدعوة ويفشل المصلح في خطاه الأولى .
( 3 ) ولقد كان البيان لدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أعلى مرتبة من
سيد المرسلين — صفحة 391
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٩١