تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيد المرسلين — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
الكمال فكان قادرا كأقوى خطيب على بيان تعاليم دينه للناس في غاية الفصاحة والبلاغة . ولكنه كان يفتقر في الأيام الأولى من دعوته إلى عنصر ( القوة الثانية ) ، أي ( القوة الدفاعية ) ، الرادعة الحامية ، لأنه استطاع في السنوات الثلاث الأولى من رسالته أن يضم إلى دعوته قرابة أربعين شخصا ، وذلك في الظروف السرّية الشديدة ، ولا ريب ان تلك القلة القليلة من الاتباع لم تكن قادرة على أن تتولّى مسؤولية الدفاع عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وحماية رسالته . من هنا عمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - وبهدف تحصيل القوّة الدفاعية المطلوبة وتشكيل النواة المركزية إلى دعوة أقربائه إلى دينه قبل التوجّه بالدعوة إلى عامة الناس ، ليتمكّن من هذا الطريق أن يزيل النقص من جهة عدم وجود القوة الثانية ، ويكوّن منهم سياجا قويا يحفظه ، ويحفظ رسالته من الأخطار المحتملة . على أن فائدة هذه الدعوة كانت على الأقل دفع أبناء عشيرته إلى الدفاع عنه بدافع القربى والرحم على فرض انهم لم يؤمنوا برسالته ، ولم يقبلوا دعوته . ( 1 ) هذا مضافا إلى أنه صلّى اللّه عليه وآله كان يعتقد ان أي إصلاح وتغيير لا بد أن يبدأ من إصلاح الداخل وتغييره ، فما لم يستطع الإنسان من إصلاح أبنائه وأقربائه وردعهم عن قبائح الأفعال لا يمكن لدعوته أبدا أن تؤثر في الأجانب والأبعدين ، لأنّ المناوئين سيعترضون عليه لدعوته في هذه الحالة ، ويشيرون إلى أفعال أبنائه وعشيرته . من هنا أمره اللّه تعالى بأن يدعو عشيرته الأقربين إذ خاطبه قائلا :
« وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »
« 1 » . كما أنه خاطبه بصدد دعوة الناس عامّة بقوله :
« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) الشعراء : 214 . ( 2 ) الحجر : 94 و 95 .
سيد المرسلين — صفحة 392 | الشيخ جعفر السبحاني