منتصف الطريق إلّا بتحمل خسائر كبرى فادحة .
( 1 ) هذا مضافا إلى أن أنفسكم كأنها قد عجنت بالعجلة ولذلك تودّون قطف ثمار جهودكم ونتيجة عملكم في الحال دون ما صبر وترقّب وانتظار ، وهذه هي بنفسها طريقة تفكير اجتماعيّة خاطئة ، من شأنها أن تجعل الإنسان أمام طرق مسدودة كثيرة وغريبة .
هذا ما قاله ذلك الغربيّ .
ولكن الذي نتصوره ونعتقده نحن هو : أن هذه الطريقة من التفكير لا ترتبط لا بالشرق ولا بالغرب ، بل هي ميزة العقلاء الأذكياء من الناس ، فإنهم يعتمدون هذا الأسلوب لانجاح مهامّهم ، وتحقيق مقاصدهم .
ولقد اتبع قائد الإسلام الأكبر الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله هذه الطريقة في عمله الرسالي فركّز جهده على الدعوة السرّيّة إلى دينه مدة ثلاثة أعوام من دون تعجّل ، وكان يعرض دينه على كل من وجده أهلا للدعوة ، ومستعدّا من الناحية الفكرية للتبليغ .
فرغم أنّه كان يهدف إلى تشكيل دولة عالمية كبرى ينضوي تحت لوائها ( لواء التوحيد ) جميع أفراد البشرية ، إلّا أنه لم يعمد إلى الدعوة العامة طيلة هذه الأعوام الثلاثة ، بل لم يوجّه الدعوة الخاصة حتى إلى أقاربه ، إنّما اكتفى بالاتصال الشخصي بمن وجده مؤهلا وصالحا للدعوة ، ومستعدّا لقبول الدّين ، حتى انّه استطاع في هذه الأعوام الثلاثة أن يكسب فريقا من الأتباع من الذين اهتدوا إلى دينه وقبلوا دعوته .
( 2 ) وقد كان زعماء قريش - كما أسلفنا - منهمكين طوال هذه الأعوام الثلاثة في اللذّة والهوى وكان فرعون « مكة » وطاغيتها : « أبو سفيان » وجماعته كلما سمعوا بالدّعوة أطلقوا ضحكة استهزاء وقالوا لأنفسهم : إنّها أيّام وتنطفئ بعدها شعلة الدعوة هذه فورا تماما كما انطفأت من قبل دعوة « ورقة » و « اميّة » ( اللّذين أخذا يحبّذان إلى العرب التوجه نحو المسيحية ونبذ الوثنية بعد أن قرءا الإنجيل والتوراة ) وبالتالي لن يمرّ زمان حتى ينسى هذا الأمر ، ويغدو خبرا بعد أثر ، بل
سيد المرسلين — صفحة 390
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٩٠