فإذا كان اللّه ( عزّ وجلّ ) يراقب نبيّه في قيامه وركوعه وسجوده ، وجميع تقلّباته - وهي أمور شخصية - فما ظنّك بأمر خطير تصرّف فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تصرّفا ، صارت عاقبته أن اختلفت فيه الأمّة اختلافا شديدا ، أدّى إلى لعن بعضهم بعضا ، وغضب بعضهم على الآخر ، وصار سببا للطعن والتكفير ، حتّى زلّت فيه أقدام قوم ، وضلّت فيه نفوس قوم آخرين ، وظلمت لأجله ابنته وحبيبته ! ؟
فلا مناص من القول : بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان مأمورا من اللّه تعالى في كلّ ذلك ، ولم يكن ما صنعه تصرّفا شخصيا من تلقاء نفسه .
ويشهد لذلك أمران :
الأوّل قوله تعالى :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
« 1 » . وقد تقدّم أنّها نزلت تأمره أن يعطي لفاطمة فدكا والعوالي .
والثاني : أنّه صلّى اللّه عليه وآله صرّح بذلك ، حينما أعطى ابنته فدكا قائلا : « واللّه ما أنا أمرت لها بفدك ولكن اللّه أمر لها بها » و « إنّ اللّه أعطاك فدكا » . . . .
فالنبي صلّى اللّه عليه وآله خرج من عهدة كون ذلك الفعل اجتهادا منه ، وإنّما كان أمرا من اللّه عزّ وجلّ ، كبقية الأوامر الأخرى التي شرّعها اللّه تعالى .
فإذا ثبت أنّ فدكا قد خطّطت لمستقبلها السماء ، فلابدّ أن يكون وراء هذا التخطيط حكمة عظيمة ، ومصلحة كبيرة ، يعود نفعها لصالح الإسلام والمسلمين ، وخلود الدين ، وبقاء شريعة ربّ العالمين .
إنّ مسألة فدك ، وإعطائها للصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السّلام ، لم تكن أمرا مادّيا يقصد منه أن تعيش ذرّية الرسول الأكرم برفاه وسعادة ، أو ليكونوا من ذوي
هامش
( 1 ) الإسراء : 26 .