ومن كلام له عليه السّلام في التنزّه عن الدنيا : « واللّه لئن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا ، أو أجرّ في الأغلال مصفّدا ، أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد ، أو عاصيا لشيء من الحطام ، وكيف أظلم لنفس تسرع إلى البلى ويطول تحت الثرى حلولها ؟ !
واللّه ، لقد رأيت عقيلا قد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعا ، ورأيت صبيانا شعث الألوان كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم « 1 » ، وعاودني مؤكّدا ، وكرّر عليّ القول مردّدا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أنّني أبيعه ديني وأتّبع قياده ، فأحميت له حديدة وأدنيتها من جسده ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذوي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت : ثكلتك الثواكل ، يا عقيل ! أتئنّ من حديدة حماها إنسان للعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ! أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى ؟ ! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها معجونة كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت : أصلة ، أم زكاة ، أم صدقة ؟ فكلّ ذلك محرّم علينا أهل البيت ! فقال : لا ذا ولا ذلك ولكنّها هديّة ، فقلت : هبلتك الهبول ! أعن اللّه أتيتني لتخدعني ؟ أمختبط ، أم ذو جنّة ، أم تهجر ؟
واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها لما فعلت ، وإنّ دنياكم هذه عندي كورقة في فم جرادة تقضمها . ما لعليّ ولنعيم يبلى ، ولذّة لا تبقى ! نعوذ باللّه من سبات العقل وسيّئات العمل وقبيح الزلل ، وبه نستعين » « 2 » .
هامش
( 1 ) العظلم : سواد يصبغ به ؛ قيل : هو النيلج ، أي : النيلة .
( 2 ) انظر : نهج البلاغة : 346 - 347 / خ 224 ، ومن كلام له عليه السّلام يتبرّأ من الظلم .