بالقرب منّي ليجتمع عليه أصحابه وهو ينشد :
« مدارس آيات خلت من تلاوة » ويبكي .
فلمّا رأيت ذلك منه عجبت من لصّ من الأكراد يتشيّع ، ثمّ طمعت في القميص والمنشفة ، فقلت : يا سيّدي لمن هذه القصيدة ؟ فقال : ما أنت وذاك ! ويلك .
فقلت : لي فيه سبب أخبرك به . فقال : هي أشهر بصاحبها أن تجهل .
فقلت : من هو ؟ قال : دعبل بن عليّ شاعر آل محمّد جزاه اللّه خيرا .
فقلت له : واللّه يا سيّدي أنا دعبل ، وهذه قصيدتي .
فقال : ويلك ما تقول ؟ قلت : الأمر أشهر من ذلك .
فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة ، وسألهم عنّي ، فقالوا بأسرهم :
هذا دعبل بن عليّ الخزاعي .
فقال : قد أطلقت كلّ ما اخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لكم .
ثمّ نادى في أصحابه : من أخذ شيئا فليردّه ، فرجع على الناس جميع ما اخذ منهم ورجع إليّ جميع ما كان معي .
ثمّ بذرقنا « 1 » إلى المأمن ، فحسرت أنا والقافلة ببركة القميص والمنشفة .
فانظر إلى هذه المنقبة ما أشرفها وما أعلاها ، وقد يقف على هذه القصّة بعض الناس ممّن يطالع هذا الكتاب ويقرأه ، فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة ب « مدارس آيات » ويشتهي الوقوف عليها ، وينسبني في إعراضي عن ذكرها إمّا إلى أنّني لم أعرفها ، أو أنّني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها ، فأحببت أن ادخل راحة على بعض النفوس ، وأن أدفع عنّي هذا النقص المتطرّق إليّ ببعض الظنون ، فأوردت منها ما يناسب ذلك ، وهي :
هامش
( 1 ) - قال في المصباح المنير : 40 : البذرقة : الجماعة تتقدم القافلة للحراسة .
قيل : معرّبة ، وقيل : مولّدة ، وبعضهم يقول بالذال ، وبعضهم بالدال ، وبعضهم بهما جميعا .
راجع مجمع البحرين : 5 / 137 .