ما عسى أن يكون من أمر أخيك ، وهو رجل مغرّب « 1 » ، ومعك الأموال والرجال تبعث إليه فيؤتى به فكذّبتم ودبّرتم ونسيتم قول اللّه تعالى :
« ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ »
« 2 » .
وأمّا ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا عليه السلام ، فما بايع له المأمون إلّا مستبصرا في أمره ، عالما بأنّه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلا ، ولا أظهر عفّة ، ولا أورع ورعا ، ولا أزهد زهدا في الدنيا ، ولا أطلق نفسا ، ولا أرضى في الخاصّة والعامّة ، ولا أشدّ في ذات اللّه منه ، وإنّ البيعة له لموافقة رضى الربّ عزّ وجلّ ، ولقد جهدت وما أجد في اللّه لومة لائم ، ولعمري أن لو كانت بيعتي بيعة محاباة ، لكان العبّاس ابني وسائر ولدي أحبّ إلى قلبي ، وأجلى في عيني ، ولكن أردت أمرا ، وأراد اللّه أمرا ، فلم يسبق أمري أمر اللّه .
وأمّا ما ذكرتم ممّا مسّكم من الجفاء في ولايتي ، فلعمري ما كان ذلك إلّا منكم بمظافرتكم عليه ، وممّا يلتكم إيّاه .
فلمّا قتلته « 3 » ، تفرّقتم عباديدا « 4 » ، فطورا أتباعا لابن أبي خالد ، وطورا أتباعا لأعرابيّ ، وطورا أتباعا لابن شكلة ، ثمّ لكلّ من سلّ سيفا عليّ ، ولولا أنّ شيمتي العفو ، وطبيعتي التجاوز ، ما تركت على وجهها منكم أحدا ، فكلّكم حلال الدم ، محلّ بنفسه « 5 » .
وأمّا ما سألتم من البيعة للعبّاس ابني
« قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ »
« 6 » ويلكم إنّ العبّاس غلام حدث السنّ ، ولم يؤنس رشده ، ولم يمهل وحده ، ولم
هامش
( 1 ) - « المغرّب بتشديد الراء المفتوحة والمكسورة : البعيد » منه ره .
( 2 ) - الحجّ : 60 .
( 3 ) - « الضمير في قتلته راجع إلى المخلوع » منه ره .
( 4 ) - « العباديد : الفرق من النّاس الذاهبون في كلّ وجه » منه ره .
( 5 ) - « قوله محلّ بنفسه أي يحلّ للنّاس قتل نفسه » منه ره .
( 6 ) - البقرة : 61 .