وأقبل بهذه العوذة وهو يمشي معي إلى أن انتهيت إلى البركة ، ففتحت بابها وأدخلته فيها ، وفيها أربعون سبعا ، وعندي من الغمّ والقلق أن يكون قتل مثله على يدي ، وعدت إلى موضعي .
فلمّا انتصف الليل أتاني خادم فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يدعوك . فصرت إليه .
فقال : لعلّي أخطأت البارحة بخطيئة أو أتيت منكرا ، فإنّي رأيت البارحة مناما هالني ، وذلك أنّي رأيت جماعة من الرجال دخلوا عليّ وبأيديهم سائر السلاح وفي وسطهم رجل كأنّه القمر ودخل إلى قلبي هيبته ، فقال لي قائل : هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه وعلى أبنائه - فتقدّمت إليه لأقبّل قدميه فصرفني عنه وقال :
«
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
» « 1 » .
ثمّ حوّل وجهه فدخل بابا .
فانتبهت مذعورا لذلك . فقلت : يا أمير المؤمنين أمرتني أن ألقي علي بن موسى للسباع . فقال : ويلك ألقيته ؟ فقلت : إي واللّه . فقال : امض وانظر ما حاله .
فأخذت الشمع بين يديّ وطالعته فإذا هو قائم يصلّي ، والسباع حوله .
فعدت إليه فأخبرته ، فلم يصدّقني ، ونهض واطّلع إليه فشاهده في تلك الحال فقال : السلام عليك يا ابن عمّ . فلم يجبه حتّى فرغ من صلاته ، ثمّ قال : وعليك السلام يا ابن عمّ ، قد كنت أرجو أن لا تسلّم عليّ في مثل هذا الموضع .
فقال : أقلني فإنّي معتذر إليك . فقال له : قد نجّانا اللّه تعالى بلطفه فله الحمد .
ثمّ أمر بإخراجه ، فأخرج فقال : فلا واللّه ما تبعه سبع . فلمّا حضر بين يدي الرشيد عانقه ، ثمّ حمله إلى مجلسه ورفعه فوق سريره وقال : يا ابن عمّ إن أردت المقام عندنا ففي الرحب والسعة ؛ وقد أمرنا لك ولأهلك بمال وثياب .
فقال له : لا حاجة لي في المال ولا في الثياب ، ولكن في قريش نفر يفرّق ذلك عليهم . وذكر له قوما فأمرهم بصلة وكسوة .
هامش
( 1 ) - سوره محمد : 22 .