عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عنبسة بن بجاد العابد : إنّ رجلا قال للصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام : أوصني . فقال عليه السّلام : أعدّ جهازك ، وقدّم زادك لطول سفرك ، وكن وصيّ نفسك ، ولا تأمن غيرك أن يبعث إليك بما يصلحك . « 1 »
( 12 ) نزهة الناظر : وقال عليه السّلام لبعض شيعته يوصيه ، لمّا أخبره أنّ السلطان قد قبله وأقبل عليه : اعلم أنّ التشاغل بالصغير يخلّ بالمهمّ ، وإفراد المهمّ بالشغل يأتي على الصغير ويلحقه بالكبير ، وإنّما يمنى بهاتين الخلّتين السلطان الّذي تحمله قلّة الثقة على ترك الاستكفاء ، فيكون كالنهر بين الأنهار الصغار ، تنفجر إليه عظام الأودية ؛
فإن تفرّد بحمل ما تؤدّي إليه ، لم يلبث أن يغمره فيعود نفعه ضررا ؛
فإن تشيّعه ( فجاز تعلّق به حمل ) « 2 » بعضه بعضا ، فعاد جنابه خصبا « 3 »
فابدأ بالمهمّ ، ولا تنس النظر في الصغير ؛
واجعل للأمور الصغار من يجمعها ويعرضها عليك دفعتين ، أو أكثر على كثرتها .
وانصب نفسك لشغل اليوم قبل أن يتّصل به شغل غد ، فيمتلىء النهر الّذي قدّمت ذكره ، وتلق كلّ يوم بفراغك فيما قد رسمته له من الشغل في أمس .
ورتّب لكفاتك في كلّ يوم ما يعملون في غد ، فإذا كان في غد ، فاستعرض منهم ما رتّبته لهم بالأمس ، وأخرج إلى كلّ واحد بما يوجبه فعله من كفاية أو عجز ؛
فامح العاجز وأثبت الكافي ، وشيّع جميل الفعل بجميل القول ؛
فإنّك لن تستميل العاقل بمثل الإحسان .
واجعل إحسانك إلى المحسن ، تعاقب به المسئ ، فلا عقوبة للمسيء أبلغ من أن
هامش
( 1 ) 231 ح 12 ، ورواه في مستطرفات السرائر : 146 ح 19 عن عنبسة العابد ، عنه البحار : 78 / 270 ح 111 . إرشاد القلوب : 51 . روضة الواعظين : 562 . أورده في تنبيه الخواطر : 2 / 166 عن عنبسة العابد ، وفي مشكاة الأنوار : 725 ، عن عنبسة بن مصعب .
( 2 ) أقول : هكذا في النسخة ، ولكن يحتمل بقرينة السياق أن يكون اللفظ كالمراد :
وإن تشيّعه لجاز أن تعلّق بحمل بعضه بعضا ( كالأودية الجارية إلى النهر الكبير ) .
( 3 ) فعاد جنابه خصيبا يقال : رجل خصيب : كثير الخير ، رحب الجناب .