أتينا أبا عبد اللّه عليه السّلام ، فلقيناه خارجا يريد المسجد ، فاستوقفه أبي وكلّمه ؛
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : ليس هذا موضع ذلك ، نلتقي إن شاء اللّه ؛
فرجع أبي مسرورا ، ثمّ أقام حتّى إذا كان الغد أو بعده بيوم ، انطلقنا حتّى أتيناه ؛
فدخل عليه أبي وأنا معه ، فابتدأ الكلام ، ثمّ قال له فيما يقول : قد علمت « 1 » جعلت فداك أنّ السنّ لي عليك « 2 » وأنّ في قومك من هو أسنّ منك ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ قد قدّم لك فضلا ليس هو لأحد من قومك ، وقد جئتك معتمدا لما أعلم من برّك ، وأعلم - فديتك - أنّك إذا أجبتني لم يتخلّف عنّي أحد من أصحابك ، ولم يختلف عليّ اثنان من قريش ولا غيرهم ؛
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : إنّك تجد غيري أطوع لك منّي ، ولا حاجة لك فيّ ، فو اللّه إنّك لتعلم أنّي أريد البادية أو أهمّ « 3 » بها فاثقل عنها ، وأريد الحجّ فما ادركه إلّا بعد كدّ وتعب ومشقّة على نفسي ، فاطلب غيري وسله ذلك ، ولا تعلمهم أنّك جئتني ؛
فقال له : إنّ الناس مادّون أعناقهم إليك ، وإن أجبتني لم يتخلّف عنّي أحد ، ولك أن لا تكلّف قتالا ولا مكروها ؛
قال : وهجم علينا ناس ، فدخلوا وقطعوا كلامنا ؛
فقال أبي : جعلت فداك ما تقول ؟ فقال : نلتقي إن شاء اللّه ؛
فقال : أليس على ما احبّ ؟ فقال : على ما تحبّ إن شاء اللّه من إصلاح حالك ؛
ثمّ انصرف حتّى جاء البيت ، فبعث رسولا إلى محمّد في جبل بجهينة - يقال له :
« الأشقر » على ليلتين من المدينة - فبشّره وأعلمه أنّه قد ظفر له بوجه حاجته وما طلب ؛
ثمّ عاد بعد ثلاثة أيّام فوقفنا بالباب ، ولم نكن نحجب إذا جئنا ، فأبطأ الرسول ، ثمّ أذن لنا فدخلنا عليه ، فجلست في ناحية الحجرة ، ودنا أبي إليه ؛
فقبّل رأسه ، ثمّ قال : جعلت فداك قد عدت إليك راجيا مؤمّلا ، قد انبسط رجائي
هامش
( 1 ) علي صيغة المتكلّم ؛
( 2 ) أي أنا أسنّ منك ، وغرضه من هذه الكلمات نفي إمامته عليه السّلام حتّى يستقيم تكليفه بالبيعة ؛
( 3 ) الهمّ : فوق الإرادة . وكلمة « أو » بمعنى بل ، أو الشك من الراوي . منه ( ره ) .