فإنّ من اتّبع هواه ، وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس « 1 » تعظّمه وتصفه ، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحلّه ، فرأيته في موضع قد أحدق به جماعة من غثاء العامّة ، فوقفت منبذا عنهم ، متغشّيا بلثام أنظر إليه وإليهم ؛
فما زال يراوغهم « 2 » حتّى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقرّ .
فتفرّقت جماعة العامّة عنه لحوائجهم ، وتبعته أقتفي أثره ، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله ، فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة ، فتعجّبت منه ، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة ؛
ثمّ مرّ من بعده بصاحب رمّان ، فما زال به حتّى تغفّله ، فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة ؛ فتعجّبت منه ، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة ، ثمّ أقول : وما حاجته إذا إلى المسارقة ؟ ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض ، فوضع الرغيفين والرمّانتين بين يديه ومضى ، وتبعته حتّى استقرّ في بقعة من صحراء ؛
فقلت له : يا عبد اللّه ! لقد سمعت بك وأحببت لقاءك ، فلقيتك ، لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي ، وإنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي ، قال : ما هو ؟ قلت :
رأيتك مررت بخبّاز وسرقت منه رغيفين ، ثمّ بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين ! فقال لي : قبل كلّ شيء حدّثني من أنت ؟
قلت : رجل من ولد آدم من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قال : حدّثني ممّن أنت ؟
قلت : رجل من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قال : أين بلدك ؟ قلت : المدينة .
قال : لعلّك جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام . قلت : بلى .
قال لي : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرّفت به ، وتركك علم جدّك وأبيك ، لأنّه لا ينكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله !
هامش
( 1 ) في الحديث « الناس ثلاث : عالم ومتعلّم وغثاء ، فنحن العلماء ، وشيعتنا المتعلّمون ؛
وسائر الناس غثاء » يريد أراذل الناس وأسقاطهم ، شبّههم بذلك ، لدناءة قدرهم وخفّة أحلامهم ( مجمع البحرين « غثا » ) .
( 2 ) « قال الفيروزآبادي : راغ الرجل : مال وحاد عن الشيء ، وروغان الثعلب مشهور بين العجم والعرب » منه ره .