ثمّ دخل ، فحرّك شفتيه بشيء لم أفهمه ، فنظرت إلى المنصور ؛
فما شبّهته إلّا بنار صبّ عليها ماء ، فخمدت ، ثمّ جعل يسكن غضبه ، حتّى دنا منه جعفر ابن محمّد عليهما السّلام وصار مع سريره ، فوثب المنصور وأخذ بيده ، ورفعه على سريره ؛
ثمّ قال له : يا أبا عبد اللّه ! يعزّ عليّ - واللّه - تعبك ، وإنّما أحضرتك لأشكو إليك أهلك قطعوا رحمي ، وطعنوا في ديني ، وألّبوا « 1 » الناس عليّ ؛
ولو ولّى هذا الأمر غيري ممّن هو أبعد رحما منّي ، لسمعوا له وأطاعوا .
فقال له جعفر عليه السّلام : يا أمير المؤمنين ! فأين يعدل بك عن سلفك الصالح ، إنّ أيّوب عليه السّلام ابتلي فصبر ، وإنّ يوسف عليه السّلام ظلم فغفر ، وإنّ سليمان عليه السّلام أعطي فشكر .
فقال المنصور : قد صبرت وغفرت وشكرت ، ثمّ قال :
« من أحبّ أن ينسىء في أجله ، ويعافى في بدنه فليصل رحمه » . قال : ليس هو هذا .
يا أبا عبد اللّه ! حدّثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام .
قال : نعم ، حدّثني أبي ، عن جدّي ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال :
« البرّ ، وصلة الأرحام عمارة الدنيا [ والآخرة ] ، وزيادة الأعمار » . قال : ليس هذا هو .
قال : نعم ، حدّثني أبي ، عن جدّي : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال :
« رأيت رحما متعلّقا بالعرش يشكو إلى اللّه تعالى عزّ وجلّ قاطعها ؛
فقلت : يا جبرئيل ! كم بينهم ؟ فقال : سبعة آباء » ، فقال : ليس هذا هو .
قال : نعم ، حدّثني أبي ، عن جدّي ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« احتضر رجل بارّ في جواره رجل عاقّ ، قال اللّه عزّ وجلّ لملك الموت : يا ملك الموت ! كم بقي من أجل العاقّ ؟ قال : ثلاثون سنة . قال : حوّلها إلى هذا البارّ » .
فقال المنصور : يا غلام ! ائتني بالغالية . فأتاه بها ، فجعل يغلّفه بيديه ؛
ثمّ دفع إليه أربعة آلاف [ دينار ] .
ودعا بدابّته ، فاتي بها ، فجعل يقول : قدّم قدّم إلى أن اتي بها إلى عند سريره .
هامش
( 1 ) ألّبوا : جمعوا .