إنّ نبيّا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة ، ثمّ يعصي اللّه تبارك وتعالى في الباب الواحد « 1 » ، فيخرج به من الجنّة ، وينبذ به في بطن الحوت ، ثمّ لا ينجيه إلّا الاعتراف والتوبة ، فاعرف أشباه الأحبار والرهبان الّذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه « فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين » « 2 » .
ثمّ اعرف أشباههم من هذه الامّة الّذين أقاموا حروف الكتاب وحرّفوا حدوده فهم مع السادة والكبرة « 3 » ، فإذا تفرّقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا ، وذلك مبلغهم من العلم « 4 » ، لا يزالون كذلك في طبع « 5 » وطمع ، لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير ، يصبر منهم « 6 » العلماء على الأذى والتعنيف ، ويعيبون على العلماء بالتكليف .
والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة ، إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه ، أو ميّتا لا يحيونه ، فبئس ما يصنعون لأنّ اللّه تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروا به ، وأن ينهوا عمّا نهوا عنه ، وأن يتعاونوا على البرّ والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان .
فالعلماء من الجهّال في جهد وجهاد ، إن وعظت قالوا : طغت ، وإن علموا « 7 » الحقّ الذي تركوا ، قالوا : خالفت ، وإن اعتزلوهم ، قالوا : فارقت ؛
وإن قالوا : هاتوا برهانكم على ما تحدّثون ، قالوا : نافقت ، وإن أطاعوهم قالوا : عصيت اللّه عزّ وجلّ .
هامش
( 1 ) - أشار عليه السّلام إلى النبي يونس عليه السّلام ، قال تعالى : « وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظنّ أن لن نقدر عليه » الأنبياء : 87 . وإطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الأولى والأفضل ، وكما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، والّا فإنّ عصمة الأنبياء أمر مفروغ منه .
قال الفيض في الوافي : 3 / 25 : ولعلّ عصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير إذن ربّه .
( 2 ) - اقتباس من سورة البقرة : 16 .
( 3 ) - « الكثرة » خ ل .
( 4 ) - إشارة إلى قوله تعالى في سورة النجم : 29 - 30 .
( 5 ) - طبع فلان : لم يكن له نفاذ في مكارم الأمور . والطبع - محرّكة بالفتح - : الرين والشين والعيب .
( 6 ) - أي من أشباه الأحبار والرهبان .
( 7 ) - « عملوا » خ ل .