فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :
رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي .
يا أبتاه ، بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ،
فما أجد ، يا أبتاه ، بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادّا لدمعتي ، ولا معينا لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلّ ميكائيل .
انقلبت بعدك يا أبتاه ، الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ؛
ثمّ نادت : يا أبتاه ، وا لبّاه - إلى أن قال - :
ثمّ نادت : يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها ، وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها « 1 » رطبها ويابسها .
يا أبتاه ، لا زلت آسفة عليك إلى التلاق .
يا أبتاه ، زال غمضي منذ حقّ الفراق .
يا أبتاه ، من للأرامل والمساكين ، ومن للأمّة إلى يوم الدين .
يا أبتاه ، أمسينا بعدك من المستضعفين .
يا أبتاه ، أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين ، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، وأيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل ؛
وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ، وأنت ربيع الدين ، ونور النبيّين ؟
فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والأرض كيف لم تتزلزل ؟
رميت يا أبتاه ، بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزيّة بالقليل ، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم ، وبالفادح المهول ، بكتك يا أبتاه الأملاك ، ووقفت الأفلاك ؛
فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك .
هامش
( 1 ) ليلة ظلماء حندس : تقدّم معناها : 793 .