فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء « 1 » ، إذا خمّرت رأسها انجلى ساقها ، وإذا غطّت ساقها انكشف رأسها ، فلمّا نظرت إليّ اعتجرت « 2 » ثمّ قالت :
يا سلمان ! جفوتني بعد وفاة أبي . قلت : حبيبتي أأجفاكم ؟ !
قالت : فمه « 3 » ، اجلس واعقل ما أقول لك .
إنّي كنت جالسة بالأمس في هذا المجلس ، وباب الدار مغلق ، وأنا أتفكّر في انقطاع الوحي عنّا ، وانصراف الملائكة عن منزلنا ، فإذا انفتح الباب من غير أن يفتحه أحد ، فدخل عليّ ثلاث جوار لم ير الراءون بحسنهنّ ، ولا كهيئتهنّ ولا نضارة وجوههنّ ، ولا أزكى من ريحهنّ ، فلمّا رأيتهنّ قمت إليهنّ متنكّرة لهنّ .
فقلت : أنتنّ من أهل مكّة أم من أهل المدينة ؟ فقلن : يا بنت محمّد ! لسنا من أهل مكّة ، ولا من أهل المدينة ، ولا من أهل الأرض جميعا ، غير أنّنا جوار من الحور العين من دار السلام ، أرسلنا ربّ العزّة إليك ، يا بنت محمّد ! إنّا إليك مشتاقات ؛
فقلت للّتي أظنّ أنّها أكبر سنّا : ما اسمك ؟ قالت : اسمي مقدودة ، قلت :
ولم سمّيت مقدودة ؟ قالت : خلقت للمقداد بن الأسود الكندي صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقلت للثانية : ما اسمك ؟
قالت : ذرّة « 4 » ، قلت : ولم سمّيت ذرّة وأنت في عيني نبيلة ؟ !
قالت : خلقت لأبي ذرّ الغفاري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم .
هامش
( 1 ) علما بأنّ سلمانا لا يدخل بيتا لا يدخله الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل أن يؤذن له ، وأنّ ربيبة الوحي والعصمة - الّتي تتورّع عن الأعمى - لا تأذن لأحد غير متستّرة ، فالعباءة كانت صفة للعباءة القصيرة الّتي لبستها بضعة الرسول عليها السّلام واقتنعت بها فوق ثيابها الساترة ، آه . . . لكن القوم دخلوه عنوة وبغير استئذان ، وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها .
( 2 ) الاعتجار : لفّ العمامة على الرأس .
( 3 ) فمه : أي فما السبب في ترك زيارتنا ؟ أو اسكت .
( 4 ) ولمّا كانت الذرّة موضوعة للصغيرة من النملة قالت عليها السّلام : أنت مع نبلك وشرفك لم سمّيت باسم يدلّ على الحقارة ؟ ! منه ( ره ) .