فقال عمر : بخّ بخّ ! يا أبا الحسن ! لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة . فهذا تسليم ورضا وتحكيم ، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة ، وحمل عمود الخلافة ، وعقود البنود ، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات ، واشتباك ازدحام الخيول ، وفتح الأمصار ، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأوّل ؛ فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون .
قال شمس الدين سبط ابن الجوزي الحنفي في « تذكرة خواصّ الامّة » « 1 » :
اتّفق علماء السير أنّ قصّة الغدير كانت بعد رجوع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجّة ، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفا وقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » . . . الحديث .
نصّ صلّى اللّه عليه وآله على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة .
وذكر أبو إسحاق الثعلبي في « تفسيره » باسناده : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا قال ذلك طار في الأقطار ، وشاع في البلاد والأمصار - إلى أن قال - فقال :
فأمّا قوله : « من كنت مولاه » فقال علماء العربيّة : لفظ « المولى » ترد على وجوه ؛ ثمّ ذكر من معاني المولى تسعة ، فقال : والعاشر بمعنى الأولى : قال اللّه تعالى :
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ
ثمّ طفق يبطل إرادة كلّ من المعاني المذكورة واحدا واحدا ، فقال :
والمراد من الحديث ، الطاعة المحضة المخصوصة ، فتعيّن الوجه العاشر وهو :
الأولى ، ومعناه : من كنت أولى به من نفسه ، فعليّ أولى به .
وقد صرّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفيّ الأصبهانيّ في كتابه المسمّى ب « مرج البحرين » فإنّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه ، وقال فيه : فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بيد عليّ عليه السلام ، فقال :
« من كنت وليّه وأولى به من نفسه ، فعليّ وليّه » .
هامش
( 1 ) ص 18 .